الإصلاحات المطلوبة لمساوئ الفصل بين النائب العام ووزارة
وأول من تولي هذا المنصب هو مستر توتنهام. في عام 1904

الإصلاحات المطلوبة لمساوئ الفصل بين النائب العام ووزارة
دكتور محمد حسن محجوب.
ثار الجدل كثيرا حول الفصل بين منصبي وزير العدل والنائب العام بين مؤيد ومعارض، فى وقت كان قرار االفصل بين المنصبين قد إتُخذ بالفعل وبسرعة دون تروى ودون الرجوع لنتائج الدراسات العديدة التى اجريت حول هذا الموضوع. ولكن أعتقد أن استعجال بعض الجهات لاغراض نعلمها ويعلموها كان له الاثر في صدور ذلك القرار المستعجل.
علي أي حال فإن إتخاذ القرار هو مجرد خطوة أولى ، وهي خطوة لا بد أن تتلوها خطوات حتى تؤتي أكلها.
بدايات النشأة والتكوين::
ظهرت الأقسام والمصالح الحكومية المكونة لوزارة العدل في السودان عقب إقامة أجهزة الحكم الثنائي تحت رئاسة السكرتير القضائي، وهو أحد ثلاث سكرتيرين يعاونون الحاكم العام. منصب السكرتير القضائي بحسب مهامه أقرب لمنصب Lord Chancellor في المملكة المتحدة قبل سريان قانون الإصلاح الدستوري. فقد كان السكرتير القضائي يؤدي مهام رئيس القضاء، فهو رئيس المحكمة العليا، وأيضاً مهام وزير العدل الذي تتبعه الأجهزة الإدارية للمصلحة القضائية والمصلحة المختصة بإعداد التشريع. وأول من تولي هذا المنصب هو مستر توتنهام. في عام 1904 وقد ظهر منصب النائب العام لأول مرة بمسمى المحامي العام Solicitor General، كمنصب مستقل عن السكرتير القضائي ولكنه يتبع له. وأول من شغل هذا المنصب مستر بيكون، وكانت مهام المنصب تقديم النصح القانوني للأجهزة الحكومية وتمثيلها في الدعاوي التي تقيمها، أو تقام ضدها، ويقوم بتولي الإتهام في الدعاوي الجنائية.
ثم ظهر منصب وزير العدل لأول مرة لدى تشكيل الحكومة الوطنية الأولي عقب إعلان الحكم الذاتي. وكان الشيخ على عبد الرحمن الأمين هو أول من تولى منصب وزير للعدل في الفترة الإنتقالية الأولى، وخلفه عند إعلان الإستقلال الشيخ مدثر البوشي الذى كان مسماه النائب العام وهو يتبع ل
وزير العدل ضمن الأجهزة الأخرى ومن ضمنها مصلحة التشريع، ومصلحة الإدارة، ومصلحة الشؤون الدينية. ثم جاءت مرحلة الإستقلال فكان أول من تولى منصب النائب العام عقب الإستقلال هو المرحوم أحمد متولي العتباني.
فأصبج منصب النائب العام منصباً دستورياً مستقلاً لأول مرة بصدور دستور 1973 والذي نص في المادة 197 منه على أن يعين رئيس الجمهورية نائباً عاماً لجمهورية السودان يكون بحكم منصبه وزيراً ويعدد القانون مهامه وإختصاصاته ومسؤولياته.
و لم يكن أول الأمر للنائب العام سلطة فتح الدعوى الجنائية، ولا الإشراف على التحري، فقد كان ذلك يتم بواسطة القاضي الجنائي. وكان دور المدعي العام ينحصر فقط في تولي الإتهام في بعض الدعاوي. وبالتالي فقد كانت وكالات النيابة محصورة العدد، وفقط في العاصمة والمدن الكبرى. ثم بدأ التدرج نحو تولي النائب العام سلطة الإشراف على فتح الدعوي الجنائية في عام 1983 بصدور قانوني تنظيم وزارة العدل لعام 1983 والذى كان المسمى فيه وزير العدل والنائب العام كما كان يطلق عليه آنذاك) وقانون الإجراءات الجنائية لعام 1983. نص قانون تنظيم وزارة العدل لعام 1983 على أن يتولى وزير العدل/ النائب العام سلطة الإشراف على التحري وفتح الدعوى الجنائية، ولكن التفصيلات التي حملها قانون الإجراءات قيدت من تلك السلطة، فرغم أن قانون الإجراءات الجنائية لعام 1983 منح وكيل النيابة سلطة فتح البلاغ أو رفضه وفقاً لأحكام المادة 120، إلا أنه ألزمه بإرسال تقرير البلاغ إلى القاضي، والذي كان يجوز له بموجب أحكام المادة 123 أن يتولى التحري بنفسه، أو يشرف عليه إذ أوكل إجراءه للشرطة، أو النيابة. كما ظلت سلطة أخذ العلم بوقوع الجريمة هي سلطة القاضي وفقاً للمادة 151 من نفس القانون. إلا أن الأمر نفسه قد تغير عند صدور قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 والذي أوكل فتح الدعوى الجنائية والإشراف على التحري بصورة كاملة لوكلاء النيابة . ومن ثم تعدل قانون تنظيم وزارة العدل وأصبحت المادة 6 (2) منه تقرأ على الوجه التالي “على الرغم من أحكام أى قانون آخر، يختص وزير العدل بأخذ العلم بأية جريمة والتحرى فيها ويتولى الاتهام، وتكون له فى سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها فى أى قانون ينظم التحري وخاصة قانون الإجراءات الجنائية 1991 ، فيما عدا السلطات المنصوص عليها فى المـادتين 60 و 79(3) و (4) منه ، على أنه يجوز للقاضى المختص بناء على شكوى مقدمة من شخص متضرر تتعلق بانتهاك حقوقه الدستورية والقانونية أو مخالفة القانون طلب يومية التحرى وأى أوراق تتعلق بذلك وممارسة سلطاته وفقا لأحكام قانون الإجراءات الجنائية 1991
فعقب صدور قانون 1983 تولى وزير العدل منصب النائب العام لفترة قصيرة، وتم إلغاء منصب النائب العام بعدها، وإستعيض عنه بوزير العدل رغم الخلاف الواضح بين المنصبين. وبالتالي فقد اصبح المدعي العام لا يستقل بسلطات النيابة العمومية كما هي مفهومة في الأنظمة القانونية المختلفة، بل يتبع في واقع الأمر وكيل وزارة العدل الذي يتبع بدوره وزير العدل. وهذا أيضاً ينطبق على المحامي العام. وهكذا أصبح وزير العدل الذي حل محل النائب العام القديم، تجتمع فيه الصفتان فهو الممتل القانوني للحكومة في الإطار المدني، و المسؤول عن توجيه ج الإتهام الجنائي وتولي الدعوى الجنائية، بالإضافة لقيامه بالمهام الإدارية والمالية المتصلة بإدارة الأجهزة العدلية رغم أنه معين تعييناً سياسياً وهو جزء من الحكومة وعضو بمجلس الوزراء .
ولم تثبت هذه التجربة العملية لوزارة العدل في السودان في الفترة التي تلت إنقلاب 1989 أي إستقلال لوزير العدل في قراراته كنائب عام عن السياسة الحكومية، بل الثابت هو أن الحكومة أصبحت تسعى لتدعيم سياساتها بالإتهامات الجنائية بأساليب مختلفة، ولكن مواجهة العمل المعارض بالإتهام الجنائي أصبح جزءً من تكتيكات الحكومة في مواجهة المعارضين. ولم يكن ذلك مستغرباً في الفترة الأولى التي أعقبت انقلاب ١٩٨٩حين تم إلغاء الدستور وإستبدل بأوامر جمهورية، تضمنت أحكاما عقابية . فكان من الطبيعي أن يكون عمل النيابة العمومية في تمثيل الإتهام ، ولكن كان المأمول عقب صدور الدستور بما إشتمل عليه من مبادئ وأحكام أن تخلو الإتهامات الجنائية من إتهامات متصلة بالتعبيرعن الرأي وممارسة الحقوق السياسية الأخرى، مما يبعد المعارضين عن دائرة إهتمام النيابة العمومية. ولكن ذلك لم يحدث وسرعان ما ظهر إنحياز النيابة العمومية للحكومة في الفترة الإنتقالية، حين إشتد الهجوم الصحفي على الحكومة، وقابلته النيابة العمومية بأوامر حظر النشر في مواضيع بعينها، وأوامر بإيقاف الصحف، . لم يقف الأمر عند ذلك الحد فسرعان ما عادت الحكومة لإستخدام الإتهام الجنائي في تكتيكات الصراع السياسي، بتعاون تام من النيابة العمومية. ولا نحتاج للعودة لأكثر من العام الماضي حين يظهر ذلك جلياً. قائمة . في ذلك العام تم توجيه إتهمات جنائية لإمام الأنصار ورئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي، و الأستاذ إبراهيم الشيخ رئيس حزب المؤتمر السوداني، والدكتورة مريم الصادق نائبة رئيس حزب الأمة، و للأستاذ فاروق أبو عيسى رئيس قوى الإجماع الوطني والدكتور أمين مكي مدني من التحالف الديمقراطي وهو أحد أعمدة القانون في البلاد، بسبب ممارستهم لأنشطة سياسية يقوم بها نظرائهم من المعارضين في الدول الديمقراطية بشكل عادي لا يلفت نظر الأجهزة العدلية في تلك البلاد. ثم إستحدثت وكالة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ضد الناشطين السياسيين المعارضين بمناسبة دعوتهم لمقاطعة الإنتخابات، وقد تم شطب البلاغات بواسطة المحكمة بعد سماع الدعاوي، ، ان إستخدام الحكومة للإتهام الجنائي بهذه الكثافة فيما يتعلق بنشاط سياسي عادي لم يكن ممكناً لولا إنحياز وكالة النيابة العامة للحكومة. كل هذا أفقد النيابة العامة إستقلالها في نظر الرأي العام الذي أصبح يراها لاعباً في السياسة ، وهذه المسألة بالغة الأثر في إفساد ليس فقط فى النظام العدلي بل أيضا في إفساد الحياة السياسية وأسس الحكم الراشد.
وكشف الإستخدام المكثف لوكالة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة وجه أنها تتعامل مع العمل المعارض للحكومة بإعتباره بإعتباره عملاً معارضاً للدولة مع أن الفرق بينهما كبير، ففي حين يجرم القانون عرقلة السلطات الدائمة للدولة ، فإن معارضة الحكومة هي حق دستوري، وعمل مشروع. ومن ذلك يتضح أن النيابة العامة لا تحتفظ بمسافة متساوية تفصلها من الأطراف المكونة للصراع السياسي بل هي ترى واجبها في مكافحة معارضة الحكومة القائمة، إما بسبب تفسير بالغ القصور بالنسبة للقانون والدستور، أو بسبب إنحياز سياسي غير مشروع. ان المعارضة السياسية الدستورية هى حق دستوري، وان سيادة الشعب، تعني أن الحاكم يستمد سلطته من رضاء الشعب وقبوله.
ومن ثم فان قرار الفصل بين منصب النائب العام ووزير العدل يتأرجح بين انه قرار صائب ولكنه غير كاف
لان تجارب الدول الأخرى لا يثبت فيها مثل هذا الفصل بين منصب النائب العام ومنصب وزير العدل لتحقيق استقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية، فمن الدول التي لا تفصل بين المنصبين دون أن تفرط في مبدأ إستقلال النيابة العمومية، أمريكا وكندا وأستراليا ، ولكن ألذى جعل هذا الفصل ضروري في السودان ما يجعل هو أن المبادئ السياسية الديمقراطية ليست عميقة الجذور بين السلطات الرسمية عموماً. ولذلك، فإن الوزير المعين يعين لإعتبارات سياسية ويميل إلى الخلط بين مصالح الدولة التي يجب أن تكون حادية لقراراته كنائب العام، وبين الإعتبارات السياسية لقراراته كوزير للعدل. من ناحية أخرى، فإن الجمهور السودانى نفسه معرض
للانحياز السياسي أو العرقي أو الديني عند تقييمهم لقرارات السلطة العامة، ومعرفة المسؤول. أن السماح للولاء السياسي او القبلى بالتأثير على قرار رسمي يبعث على إستهجان الشعب
ويشكل جزءً هاماً من آليات الرقابة والمساءلة المطلوبة، في النظام السياسي في اى مرحلة. لقد رأينا كيف إضطر النائب العام جونزاليس لدفع ثمن الأخذ بإلاعتبارات السياسية في ممارسة واجباته بوصفه النائب العام للولايات المتحدة. قد لا يكون هذا هو الحال في السودان في المرحلة الحالية، وبالتالي فإن الحل الصحيح في ظروفنا هذه لا يكون الفصل بين الوظيفتين على عجل دون الرجوع للدراسات التى اجريت وترجيح خيار هذه الدراسات بالتوحيد بين المنصبين ام بالفصل بين المنصيبن في غياب تجذر المبادئ الديمقراطية، وعلى رأسها نظام الرقابة المتبادلة والتوازن بين السلطات من اجل تحقيق الهدف المنشود.
لذلك فإن الإصلاحات المطلوبة اذا أردنا العوده لمنصب وجهاز النائب العام القديم يجب أن تتضمن
إستقلال النائب العام تماما
وإصلاح النصوص التشريعية من حيث لا يكفي مجرد النص في الدستور أو القانون على إستقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية، بل يجب تدعيم ذلك بنصوص تجرم أي فعل يرمي لتدخل السلطة التنفيذية في عمل النيابة، بالإضافة لمنح النيابة العمومية إستقلالاً وإقعيا في مواجهة السلطة العامة.
ثم الإصلاح الهيكلي
بإعادة هيكلة وكلاء النيابة الذين تم تعيينهم فى الفترات السابقة
وتكثيف التعليم القانوني والتدريب والتأهيل لأعضاء النيابة العامة، بالأخص فيما يتعلق بتوعيتهم إلى المثل والواجبات الأخلاقية لوظائفهم، ودورهم فى الحماية الدستورية والقانونية لحقوق الضحايا، و حقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي يعترف بها القانون الوطني والدولي .
اما فيما يتعلق بتعيين النائب العام ووكلاء النيابة الذين يصرفون مهام النائب العام نيابة عنه، فإنه يجب أن لا يخضع تعيينهم ومخصصاتهم لإرادة السلطة التنفيذية. وأعتقد أن العودة لديوان النائب العام الذى
القديم الذى كان ناجحا يمكن أن يحل محل وزارة العدل
كما يجب أن تتضمن معايير اختيار أعضاء النيابة العامة ضمانات تحول دون تعيينهم على أساس التمييز العرقي أو القبلى أو المحاباة، بحيث تستبعد أي تمييز ضد الأشخاص يستند إلى العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغيره من الآراء، أو المنشأ الوطني والاجتماعي، أو الأصل العرقي، أو الملكية أو المولد أو الحالة الاقتصادية أو أي وضع آخر.
كذلك لابد من أن يتم تحصين النائب العام، والمدعي العام، والمحامي العام، من العزل بحيث يتم وضع القواعد التي تنهي عملهم فقط لإنتهاء فترتهم أو بإختيارهم و لايجوز عزلهم إلا بإجراءات عزل بواسطة رئيس الجمهورية. بالنسبة لوكلاء النيابة، والمستشارين القانونيين . كذلك إستبعاد المهام الإدارية والمالية عن النائب العام فيجب أن يقتصر عمل النائب العام على الجوانب القانونية المتصلة بدوره كالمستشار القانوني الأول للدولة، على أن تتبع المهام الإدارية والمالية المتصلة بذلك العمل والتي يقوم بها الكادر الإداري والمهني . ولابد من الفصل بين الإختصاصين المدني والجنائي
حيث يساعد النائب العام في أداء واجباته تجاه القضاياالمدنية المحامي العام، ويختص بالجانب المدني، من حيث النصح القانوني، وتمثيل المصالح الحكومية المختلفة والوزارات في المحاكم المدنية والإدارية والدستورية، سواء بصفة مدعية أم مدعى عليها، اما المدعي العام الذي فيتولي شؤؤن الدولة القانونية من ناحية القوانين الجنائية، وعلى رأسها فتح الدعاوي الجنيائية وتولي إجراءات التحري، والتحقيق، وتوجيه الإتهام، على أنه بالنسبة لشطب الدعوى الجنائية والوعد بوقف تنفيذ العقوبة فإنه يجب إتخاذها بواسطة المدعى العام نفسه، أما قرار وقف الدعوى الجنائية فإنه يجب أن يصدر من النائب العام شخصياً ويكون قراراً مسبباً يخضع للطعن فيه لدى المحكمة العليا ويكون قرارها نهائياً بشأنه.




