احمد بامنت….. قيل في الاثر ((من رام فهم الحق دون تمامِه… ضل السبيل وخان خير ختام

احمد بامنت
قيل في الاثر ((من رام فهم الحق دون تمامِه…
ضل السبيل وخان خير ختام))
بقلم احمد بامنت
في ظل المشهد السوداني المتردي ، تتباين وجهات النظر حول تقييم الأداء الحكومي بين منتقدا ومادح خاصة على مستوى الولايات وذلك وفقا لتفاوت وتباين الوعي السياسي والاجتماعي، واختلاف زوايا النظر بين من يكتفي بتشخيص مظاهر الخلل من حيث يتابع ، ومن يربط الاحداث بكلياتها ويمحص الاداء العام وفق السياق ويحاول الوصول الي جذور الأزمة والتي تتمثل في منظومة الحكم الكلي. غير أن الإشكال الأكبر يكمن في محاولة اختزل النقد بالمعطيات الظرفية والمكانية له ويحاول ان يفترض واقع محلي ولائي لايرتبط بالسياق العام فيظل حبيسا في تتبع ثغرات الحكومات الولائية، دون الجرأة على مواجهة أصل الداء والذي لايخفي علي كل متابع ذو بصيرة فالقضية اعمق من تجاوزات والي في ولاية طرفية او وزير مكلف دون مهام وليس ذلك للدفاع عن هذا او ذاك بل محاولة لتصويب بعض الاقلام التي ظلت تناول بالنقد والتجريح اداء حكومة الولاية وتتتبع اوجه القصور والسلبيات،، فأداء حكومة الولاية لن يكون بمعزل عن السياق القومي الأوسع، يُفقد النقد موضوعيته، ويحوّله إلى سهام طائشة تُخطئ الهدف الجوهري. فما جدوى مطالبة حكومة ولائية بالنجاح في ظل مركز مختطف، ودولة تدار بسلطة الأمر الواقع، ووزارات توزّع كغنائم بين شركاء حرب لا شركاء بناء؟
المنظومة الحاكمةالتي أفرزتها تسويات وفرضيات ظرفية محددة ومواثيق تمزقت قبل أن تجف أحبارها ما تزال تمارس الحكم بنفس العقلية الأمنية والعسكرية التي أثبتت فشلها لعقود. في هذا المناخ، لا يمكن لأي حكومة ولائية أن تحقق نتائج مستقرة أو مستدامة. فالعسكر لا يؤمنون بالمؤسسات، ولا بالحكم الرشيد، بل يعيدون إنتاج الأزمات عبر تكريس الصراعات، وتقاطع الصلاحيات، وتعطيل مسارات الانتقال السياسي الحقيقي.
وحين تُسند المناصب وفق الولاء لا الكفاءة، وتُدار الدولة بعقلية الغلبة لا الشراكة، فكيف يمكن لمشروع خدمي أو إصلاحي – كالمحاولات الجارية في كسلا – أن يُكتب لها النجاح؟ بل إن الإنجاز في حد ذاته، يصبح في ظل هذا الوضع فعلًا استثنائيًا، لا دلالة على سلامة المنظومة، بل على قوة إرادة محلية تحاول مقاومة التيار الجارف.
ولذلك، فإن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق الأقلام الحرة في توجيه البوصلة نحو لب المشكلة. لا يكفي فضح فساد الوالي أو عجز المدير التنفيذي، بل يجب مساءلة من يعيّنهم، ومن يضع الأطر العامة للعمل، ومن يُبقي البلاد في حالة طوارئ دائمة تُغتال فيها أي فرصة لإقامة دولة مدنية حقيقية.
لكن كل ذلك لا يمكن فصله عن القضية الأخطر: استمرار الحرب. فالحرب ليست فقط آلة قتل، بل معول هدم لبقية ما تبقى من مؤسسات الدولة. إنها التربة المثلى لتغذية الفساد، وتعطيل التنمية، وتمزيق المجتمع. وأي حديث عن إصلاح – محلي أو قومي دون وقف الحرب، يظل ناقصًا ومخادعًا.
إن المطلوب اليوم هو خطاب نقدي أكثر وعيًا وشجاعة، لا يكتفي بملاحقة العناوين الصغيرة، بل يتجه إلى عمق المأساة السودانية: دولة بلا عقد اجتماعي، سلطة بلا شرعية، وحرب بلا نهاية. حينها فقط يمكن أن تُثمر الجهود الولائية، وتتفتح براعم الإصلاح في أي بقعة من هذا الوطن المنهك.




