دكتور خالد عبد المجيد زمراوي يكتب ..من التاسعة إلى الوزارة ــ مشروع إنقاذ الخدمة المدنية السودانية

*من التاسعة إلى الوزارة ــ مشروع إنقاذ الخدمة المدنية السودانية*
دكتور خالد عبد المجيد زمراوي
*معالي رئيس مجلس الوزراء،،،*
*أولاً: ـ* علينا أن نشخص الداء.. لقد ابتليت الخدمة المدنية السودانية بداء التعيين من خارج السلم الوظيفي.. وهو ان يأتي وزيراً أو وكيلاً لم يسبق له أن عمل في الخدمة المدنية.. ولم يقرأ قانونها.. ولم يعرف لوائحها.. ولم يمارس دورة المستند فيها.. فيمضي زمناً طويلاً يتعلم.. وزمناً آخر يجرب.. ثم يصدر قرارات غير صائبة تربك العمل وتعطل مصالح البلاد والعباد.
وقد كان القرار الأخير بطرح منصب وكيل وزارة للتنافس العام عبر لجنة الاختيار مثالاً على هذا الاضطراب.. فما لبث أن وصف داخل أروقة مجلسكم الموقر بأنه خطأ كبير.. فتراجعتم عنه.. وهذا التراجع فضيلة تحسب لكم..
*ثانياً: ـ* في وصف الدواء والذي يكمن في التدرج الوظيفي الطبيعي…
إن موظف عام الدولة يتدرج تدرجاً معلوماً يبدأ من الدرجة التاسعة عند التعيين ثم يصعد إلى الثامنة فالسابعة حتى يبلغ الدرجة الأولى ثم الدرجة الأولى الخاصة الممتازة. وهذا التدرج ليس أرقاماً مجردة.. بل هو خمس وعشرون إلى ثلاثون عاماً من الخبرة التراكمية في فنون الإدارة والقانون والمالية والعمل المؤسسي..
فصاحب هذه الخبرة قد عرف الدولة من داخلها.. وفهم مقاصد تدوير آلياتها.. وحفظ قوانينها.. وأدرك كيف تسير الإجراءات.. وكيف ينجز العمل بلا تعطيل…
*ثالثاً: ـ* اما فيما يختص بآلية الاختيار المقترحة.. اتقدم الي معاليكم الكريم بأن يكون الاختيار على مرحلتين.
*المرحلة الأولى* وهي اختيار وكلاء الوزارات.. ويكون ذلك بحصر التنافس في شاغلي الدرجة الأولى الخاصة الممتازة في الخدمة المدنية على وجه العموم.. دون حصر في وزارة بعينها..فمن تدرج حتى الممتازة بأي وزارة من وزارات الدولة.. يجوز أن يعين وكيلاً باي قطاع وزاري بخلاف واختلاف ما هو موجود عليه بداخل مؤسسته والتي تواجد بها منذ بداية تعينه.. لأنه يحمل الشهادات الأكاديمية والتي تم الاختيار بناء على معاييرها الصحيحة إضافة الي الخبرة التراكمية للدولة كلها لا لوزارة واحدة.. وهنا تكون معايير المفاضلة هي الأقدمية الفعلية وتقارير الكفاءة والاكتفاء الممتازة لخمس سنوات متتالية وخلو الصحيفة من الجزاءات وما يقدمه المرشح من إنجازات موثقة.. ثم المقابلة أمام لجنة محايدة من مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة..
*والمرحلة الثانية* هي اختيار الوزراء.. والأصل أن يختار الوزير من بين وكلاء الوزارات السابقين المتميزين الذين أثبتوا كفائهم.. فإنهم مما لاشك فيه هم الأقدر على تسريع الإجراءات وفهمها من خلال خبرتهم التراكمية.. وهم الأبعد عن إهدار الوقت والجهد والتعطيل…
*رابعاً: ـ* علينا أن نصطحب ما ذهب اليه السند القانوني
إن هذا المقترح ليس اجتهادات.. بل هو تطبيق حرفي لنص القانون… فقد نصت المادة 3 تفسيراً من قانون الخدمة المدنية القومية لسنة 2007 على تقسيم الوظائف فقالت “الوظائف الأخرى ويقصد بها الوظائف القومية من الدرجة الخامسة فما دون.. والوظائف العليا يقصد بها الوظائف القومية للدرجات الرابعة أو الثالثة أو الثانية.. والوظائف القيادية العليا يقصد بها الوظائف القومية المخصص لها الدرجات من الأولى فما فوق أو ما يعادلها”.. ومنصب وكيل الوزارة هو في قلب الوظائف القيادية العليا المخصص لها الدرجة الأولى فما فوق…
ثم جاءت المادة 38 الا وهي الترقيات فقرة 1 لتضع القاعدة الماسية والتي لا يجوز مخالفتها.. فقالت “يتم الاختيار للترقية في إطار النظم المعتمدة للموارد البشرية.. على أساس الجدارة واجتياز التدريب الحتمي والتدريب المرتبط بالتدرج في المسار الوظيفي والمستوى الوظيفي والذي تم الاختيار وجري التعين بناء عليه “…
وهنا القانون اشترط التدرج في المسار الوظيفي والتدريب الحتمي شرطاً لازماً للترقية…فكيف يسمح اذاً بالقفز من خارج المسار إلى قمته..؟
ثم أكدت الفقرة 2 من ذات المادة أن “تكون لجميع الترقيات لجان تحدد اللوائح مرجعيتها وطرق تكوينها واختصاصاتها وإجراءاتها على أن تكون تقارير اللجان مشفوعة بالأسباب والأسس التي توصى بموجبها بالاختيار للترقي في المسار الوظيفي المعني”. فالاختيار لا يكون بالامتحان المفتوح لمن هم خارج السلم.. بل بالترشيح لمن هم بداخل المسار الوظيفي نفسه والذي تم التعين بموجبه وتوصية مشفوعة بالأسباب..
ثم حسمت الفقرة 3 من ذات المادة الأمر كلية فقالت: “تكون سلطة إجازة الترقيات للوظائف القيادية العليا بالوحدات القومية لدى مجلس الوزراء”. فمجلس الوزراء هو صاحب السلطة في إجازة ترقية الوظائف القيادية العليا.. ومنها منصب وكيل الوزارة.. ولا يجوز تفويض هذه السلطة إلى لجنة اختيار عامة تفتح الباب لمن لم يتدرج في مداخل ومسارات الخدمة المدنية…
وعليه…فإن مقترح حصر اختيار وكلاء الوزارات من شاغلي الدرجة الأولى الخاصة الممتازة وممن تدرجوا من الدرجة التاسعة حتى الأولى هو عين ما أوجبه القانون…
*خامساً: ـ* وما نراه من الحكمة بهذا النظام
إن الوكيل الذي تدرج من التاسعة حتى الممتازة يبدأ العمل الفعلي منذ بدء اللحظة الأولى من توليه المنصب لليوم الاول.. ولا يحتاج إلى من يملي عليه فعله .. ويرجع ذلك لمعرفته الخبراتية السابقة عن كيفية ادارة الدولة.. وصيانة مواردها.. وطرق تسريع إجراءاتها.. وهو بذات الوقت يملك الولاء المؤسسي والانضباط الإداري…
أما القادم من خارج السلم الوظيفي بلا تدرج ولا خبرة تراكمية.. فإنه يحتاج زمناً للتعلم والمعرفة .. وقد يصدر قرارات غير صائبة لعدم إلمامه بتفاصيل الخدمة المدنية التي لا تكتسب إلا بالتدرج والاحتكاك الطويل…
*سادساً: ـ* فيما نستخلصة ونوصي به هو الاتي : ـ
نوصي بأن يصدر مجلسكم الموقر قراراً يقضي بوقف العمل بنظام التعين العام المفتوح المتبع سابقاً لمناصب وكلاء الوزارات.. وأن يتم استحداث طرق جديدة تكون عبر أنشاء سجل قومي لنخبة الخدمة المدنية يضم شاغلي الدرجة الأولى الخاصة الممتازة.. وأن يكون شغل منصب وكيل وزارة بالاختيار من داخل هذا السجل مع جواز النقل بين الوزارات للاستفادة من الخبرات.. وأن يكون شغل منصب الوزير قدر الإمكان من بين وكلاء الوزارات انفسهم المتميزين..
إن حتمية بناء الدولة السودانية.. يكون عبر أبنائها الذين تدرجوا في سلمها ومسارها الوظيفي تدرجاً حتى بلغوا منتهاه واكتسبوا خبرتها عبر السنين…
*سابعاً: ـ* التجارب الإقليمية المقارنة وما يثبت صحة مقترحنا
إن ما نقترحه ليس بدعاً.. بل هو المعمول به في بعض الدول العربية والأفريقية المحيطة بنا.. والتي حافظت على استقرار جهازها الإداري بمنع التعيين من خارج السلم الوظيفي..
*ففي جمهورية مصر العربية* نصت المادة 18 من قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 على انه تنشأ بكل وزارة وظيفة واحدة لوكيل دائم للوزارة بالمستوى الممتاز لمعاونة الوزير.. ويختار من خلال لجنة اختيار لمدة اربع سنوات قابلة للتجديد.. ونصت اللائحة التنفيذية على شرط قاطع وهو ان يكون قد أمضى مدة لا تقل عن خمس سنوات في وظيفة من الوظائف القيادية داخل الجهاز الحكومي..
*وفي المملكة العربية السعودية* نصت المادة 6 من نظام الخدمة المدنية على ان يتم شغل وظائف المرتبة الرابعة عشرة فما فوق بقرار من مجلس الوزراء.. ونصت لائحة الترقيات على انه يجب ان يكون الموظف قد اكمل اربع سنوات على الاقل في الدرجة التي يحملها وان تتوفر لديه خبرة لا تقل عن اربع سنوات في نوع العمل.. وهو ما يؤكد مبدأ التدرج المغلق..
*وفي المملكة المغربية يسمى المنصب الكاتب العام للوزارة* وهو ما يعادل وكيل الوزارة بالسودان .. ويشترط للتباري عليه الحصول مسبقاً على الشهادة الجامعية في اصل التعين مع تجربة مهنية لا تقل عن خمس عشرة سنة وشغل منصب مدير ادارة مركزية لمدة لا تقل عن خمس سنوات.. ويتم الاختيار عبر لجنة تنتقي سبعة مرشحين ثم تقدم ثلاثة لرئيس الحكومة..
*ثامناً: ـ* *التفوق السوداني من خلال هذا المقترح* إن هذه الدول الثلاث المحيطة طبقت نصف ما تم أقتراحه فقط.. وهو حصر منصب الوكيل في المتدرجين من داخل الخدمة المدنية.. أما منصب الوزير لديهم فما زال منصباً سياسياً قد يأتي من خارج السلم..
أما مقترحنا السوداني فهو يتفوق عليها لأنه يطبق التدرج الكامل على مرحلتين.. المرحلة الأولى حصر وكلاء الوزارات في شاغلي الدرجة الممتازة المتدرجين من التاسعة.. والمرحلة الثانية جعل الأصل في اختيار الوزراء ان يكونوا من بين وكلاء الوزارات السابقين المتميزين..
وبهذا نكون قدمنا للمنطقة كلها نموذجاً سودانياً متكاملاً.. يضمن الاستقرار المؤسسي ويمنع التعطيل.. فالدولة لا تبنى بمن يتعلم فيها.. بل بمن تدرج حتى صار خبيراً بها..
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م



