قرارات البرهان الاقتصادية.. إنقاذ للمواطن أم مقامرة بالجنيه والإنتاج الوطني؟
المواطن أولاً.. هل تنخفض الأسعار؟
قرارات البرهان الاقتصادية.. إنقاذ للمواطن أم مقامرة بالجنيه والإنتاج الوطني؟
بقلم: د. منصور علي عبد الله
في الثاني والعشرين من أكتوبر الجاري، أصدر الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حزمة قرارات اقتصادية مهمة، تصدّرها إلغاء حظر استيراد 46 سلعة، وإعفاء بعض السلع الضرورية من الرسوم الجمركية، إلى جانب إعادة المؤسسة السودانية للنفط بعد أكثر من ثمانية أعوام على حلها. وتكتسب هذه القرارات أهمية استثنائية في ظل حرب استنزفت موارد الدولة، وأضعفت القدرات الإنتاجية، وعمّقت معاناة المواطنين المعيشية.
لكن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت هذه القرارات ضرورية، بل ما إذا كانت تمثل بداية مراجعة شاملة للسياسة الاقتصادية أم مجرد استجابة لضغوط الأزمة.
المواطن أولاً.. هل تنخفض الأسعار؟
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يسهم إلغاء حظر الاستيراد في زيادة المعروض من السلع، وتعزيز المنافسة بين التجار، وتخفيف حدة النقص في الأسواق. كما قد يساعد إعفاء السلع الغذائية والضرورية من الرسوم الجمركية على خفض تكاليف الاستيراد، بما ينعكس إيجاباً على أسعارها.
غير أن انخفاض تكلفة الاستيراد لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار للمستهلك؛ فهناك عوامل أخرى تتحكم في السوق، أبرزها سعر الصرف، وتكاليف النقل والتوزيع، وهوامش أرباح الوسطاء، والممارسات الاحتكارية.
وبالتالي، فإن نجاح هذه القرارات لا يُقاس بمجرد توافر السلع، وإنما بقدرة المواطن على شرائها في ظل تراجع الدخول وتآكل القوة الشرائية.
الجنيه السوداني.. الوجه الآخر للقرار
في المقابل، يبرز تحدٍ اقتصادي لا يقل أهمية، يتمثل في الطلب على العملات الأجنبية. فالتوسع في الاستيراد يحتاج إلى موارد من النقد الأجنبي، وإذا لم تقابله زيادة في الصادرات أو تدفقات مالية كافية، فقد يفاقم الضغوط على الجنيه السوداني.
وهنا تكمن المفارقة: قد يؤدي فتح الاستيراد إلى زيادة المعروض وخفض أسعار بعض السلع مؤقتاً، لكن ارتفاع الطلب على الدولار قد يرفع تكلفة الواردات مجدداً، ويحد من أثر الإعفاءات الجمركية.
لذلك، فإن المطلوب ليس إغلاق أبواب الاستيراد أو فتحها بلا ضوابط، بل إدارة التجارة الخارجية ضمن سياسة متكاملة تحقق التوازن بين احتياجات المواطنين والقدرة الحقيقية للاقتصاد على تمويل وارداته.
الإنتاج الوطني.. الخاسر المحتمل
أما التحدي الثالث فيتعلق بمستقبل المنتجات المحلية. ففي ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل والمواد الخام، قد تجد الصناعات السودانية نفسها أمام منافسة صعبة مع المنتجات المستوردة الأقل تكلفة.
وإذا لم تترافق هذه القرارات مع إجراءات لدعم الإنتاج الوطني، فقد تتراجع مبيعات المصانع المحلية، وتتقلص فرص العمل، ويزداد اعتماد البلاد على الخارج.
إن حماية المنتج المحلي لا تعني حرمان المواطن من السلع بأسعار مناسبة، كما أن تحرير الاستيراد لا يمثل حلاً سحرياً. المطلوب هو توفير بيئة إنتاجية عادلة، تشمل تسهيل التمويل، وخفض تكاليف التشغيل، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز القدرة التنافسية.
عودة المؤسسة السودانية للنفط.. إصلاح أم إعادة هيكلة؟
تمثل إعادة المؤسسة السودانية للنفط خطوة تستحق التقييم، بالنظر إلى أهمية القطاع في تأمين الوقود وتوفير احتياجات النقل والإنتاج وتخفيف الضغوط على الاقتصاد.
لكن إعادة المؤسسات لا تعني بالضرورة إصلاح القطاعات التي تديرها. فنجاح هذه الخطوة يتوقف على وضوح الصلاحيات، وكفاءة الإدارة، والشفافية، والرقابة، وقدرة المؤسسة على تحسين الإمدادات ومعالجة الاختلالات القائمة.
مراجعة اقتصادية أم استجابة طارئة؟
سياسياً، تطرح القرارات سؤالاً مهماً حول آلية صنع السياسة الاقتصادية في السودان. فإذا كانت القيود السابقة لم تحقق أهدافها، فإن مراجعتها تمثل خطوة إيجابية، شريطة أن تستند إلى تقييم موضوعي وبيانات واضحة، لا إلى ردود الفعل الآنية.
كما أن استقرار السياسات ضروري لبناء ثقة المستثمرين والمنتجين والمستوردين؛ فالتغير المتكرر في القواعد الاقتصادية يرفع المخاطر ويضعف فرص الاستثمار.
إن المرحلة المقبلة تتطلب نشر القرارات التنفيذية بوضوح، ومراقبة أثر الإعفاءات على الأسعار، ووضع برنامج لحماية الإنتاج المحلي، وربط إعادة المؤسسة النفطية بأهداف قابلة للقياس.
الخلاصة
قد تسهم قرارات البرهان في تخفيف الضغوط المعيشية، لكنها لن تعالج الأزمة الاقتصادية السودانية بمفردها. فالحل المستدام يتطلب زيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، واستقرار سعر الصرف، وتحسين إدارة الموارد العامة.
ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه القرارات في نتائجها، لا في توقيت إعلانها: هل ستنخفض الأسعار؟ وهل سيحافظ الجنيه على استقراره؟ وهل سيجد المنتج السوداني ما يمكّنه من المنافسة؟
فالسودان لا يحتاج إلى قرارات تسد فجوات الأسواق مؤقتاً فحسب، بل إلى سياسة اقتصادية متكاملة تنقل البلاد من إدارة الأزمة إلى استعادة الإنتاج وبناء اقتصاد قادر على الصمود.




