الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب في حوار الصراحة لـ«اسكوب برس»: نعمل على استيعاب 100 ألف طالب وطالبة.. ونتجه لتحويل الداخليات إلى مشروعات إنتاجية
إعادة الإعمار بعد الحرب.. من أين بدأنا وإلى أين نتجه؟

الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب في حوار الصراحة لـ«اسكوب برس»: نعمل على استيعاب 100 ألف طالب وطالبة.. ونتجه لتحويل الداخليات إلى مشروعات إنتاجية

إعادة الإعمار بعد الحرب.. من أين بدأنا وإلى أين نتجه؟
مدخل
في أعقاب الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على مؤسسات التعليم العالي في السودان، كان الصندوق القومي لرعاية الطلاب أمام اختبار استثنائي، بعدما تعرضت المدن الجامعية والداخليات لعمليات نهب وتخريب واسعة، فضلاً عن استخدام بعضها مراكز لإيواء النازحين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة منازلهم. وبين تحديات إعادة الإعمار وشح الموارد وارتفاع تكاليف التشغيل، خاض الصندوق معركة موازية لاستعادة البيئة السكنية للطلاب، وضمان استمرار العملية التعليميةإعادة الإعمار بعد الحرب.. من أين بدأنا وإلى أين نتجه؟.
وفي هذا الحوار مع الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب، الدكتور /احمد حمزة الأمين نفتح ملفات إعادة الإعمار، وحجم الأضرار، وتكلفة التأهيل، واستعدادات عودة الجامعات إلى مقارها، ومستقبل السكن الطلابي، وقضايا الكفالة والدعم الاجتماعي، إلى جانب خطط الصندوق لمواجهة تحديات ما بعد الحرب.
حوار: د.منصور علي عبد الله
إعادة الإعمار.. ملحمة شارك فيها الشعب السوداني
**س: بدايةً، كيف تقيّمون تجربة الصندوق القومي لرعاية الطلاب خلال الحرب، وما أبرز التحديات التي واجهتكم في المحافظة على خدمات السكن والرعاية الطلابية؟**
الأمين العام:
حرب الكرامة كانت واحدة من أكبر الابتلاءات التي تعرض لها الشعب السوداني، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن معدن هذا الشعب وأظهرت حجم التضامن والتكافل بين السودانيين.
لقد شهدنا موجات نزوح كبيرة، واضطر ملايين المواطنين إلى مغادرة مناطقهم، وكان للبيوت السودانية والأسر في الولايات الآمنة الدور الأكبر في استقبال النازحين وإيوائهم، ثم جاءت المؤسسات التعليمية والصندوق القومي لرعاية الطلاب لتتحمل جانباً مهماً من هذه المسؤولية.
لقد تحولت الداخليات في عدد من الولايات إلى أماكن لإيواء الأسر النازحة، وقدم الصندوق خدماته في ظروف استثنائية، وظلت الداخليات تؤدي دوراً وطنياً واجتماعياً يتجاوز وظيفتها الأساسية المتمثلة في إسكان الطلاب.
ونحن نؤكد أن ما قدمه الشعب السوداني للصندوق خلال هذه المرحلة سيظل محفوراً في الذاكرة، فقد كانت هناك مساهمات شعبية وحكومية كبيرة في إعادة الإعمار، وأثبتت التجربة أن الصندوق مؤسسة وطنية مرتبطة بالمجتمع، وأن ما يقدمه للطلاب هو في جوهره خدمة للشعب السوداني كله.
س: تعرضت المدن الجامعية والداخليات لعمليات تخريب ونهب واسعة، ما حجم الأضرار التي واجهتموها، وكيف تعاملتم مع هذا الملف؟
الأمين العام:
حجم الدمار كان كبيراً للغاية، خاصة في الولايات التي شهدت عمليات عسكرية مباشرة. فقد تعرضت الداخليات في ولاية الخرطوم وسنار والجزيرة لأضرار واسعة، كما تأثرت بعض الداخليات في شمال كردفان نتيجة ظروف الحرب والنزوح واستخدام بعض المنشآت لأغراض أخرى.
ومن المؤسف أن التخريب لم يقتصر على المباني والأثاث، بل شمل المكيفات والمحولات الكهربائية والسيارات ومحطات الصرف الصحي، وحتى الأسلاك الكهربائية لم تسلم من عمليات النهب.
وفي بعض الداخليات، مثل داخلية علي عبد الفتاح بالخرطوم، تعرضت مكونات أساسية من البنية التحتية للنهب والتدمير.
بدأنا أولاً بإعادة تأهيل الداخليات في الولايات الآمنة، مستفيدين من دعم الحكومات والمجتمعات المحلية، ثم اتجهنا إلى الولايات المتأثرة بالحرب، وفقاً للأولويات والإمكانات المتاحة.
ونحن الآن نواصل جهودنا في إعادة تأهيل الداخليات، ونتطلع إلى استكمال العمل في الولايات التي تأثرت بصورة مباشرة.
س: ما أبرز مشروعات إعادة الإعمار التي نفذها الصندوق، وما حجم الاستيعاب الذي حققته؟
الأمين العام:
استطعنا، بفضل الله ثم بجهود العاملين بالصندوق ودعم حكومات الولايات والمجتمعات المحلية، تنفيذ عدد كبير من مشروعات إعادة التأهيل.
وشملت المشروعات الداخليات في ولايات الجزيرة والبحر الأحمر والشمالية والنيل الأزرق، إلى جانب مشروعات أخرى في عدد من الولايات.
ومن أبرز المشروعات التي نفذناها تأهيل داخليات ولاية الجزيرة بسعة تبلغ 24,500 طالب، وداخليات الولاية الشمالية بسعة 14 ألف طالب، وداخليات ولاية النيل الأزرق بسعة 2,224 طالباً، إلى جانب مشروعات أخرى شملت ولايات مختلفة.
كما بدأنا المرحلة الأولى من إعادة تأهيل داخليات طلاب ولاية الخرطوم، التي تستوعب نحو 14,300 طالب، بتكلفة بلغت ستة مليارات جنيه.
وعقب قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعودة الجامعات إلى مقارها داخل السودان، أطلقنا المرحلة الثانية لإعادة الإعمار بولاية الخرطوم، وشملت سبعة مجمعات سكنية بسعة إجمالية تبلغ نحو خمسة آلاف طالب وطالبة، بتكلفة تقدر بنحو ثلاثة مليارات وستمائة مليون جنيه.
وتشمل هذه المجمعات داخلية الفتح بأم درمان لاستيعاب طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، وداخليات وسط الخرطوم وعبد السلام خضر بدري لطلاب جامعة الخرطوم، وداخلية عائشة المبارك ببحري لطالبات جامعة الزعيم الأزهري، وداخلية نفيسة بالصحافة لطالبات عدد من الجامعات.
وتوفر هذه المرحلة نحو 32% من متطلبات إسكان الطلاب بولاية الخرطوم.
وأود التأكيد أن هذه المشروعات نُفذت بإمكانات محدودة، لكن الهمة والإرادة كانتا أكبر من التحديات، واستطعنا تحقيق إنجازات لم تكن في تقديراتنا الأولية.
س: تحدثتم عن مساهمات شعبية وحكومية في عملية الإعمار. إلى أي مدى كان لهذا الدعم أثر في تجاوز الأزمة؟
الأمين العام:
الحقيقة أن إعادة الإعمار لم تكن مجهوداً منفرداً للصندوق، بل كانت ملحمة وطنية شارك فيها الشعب السوداني وحكومات الولايات والمجتمعات المحلية.
وأذكر أن ولاية نهر النيل قدمت قافلة كبيرة دعماً لإعمار الداخليات، وكانت هناك مساهمات مقدرة من محلية أبو حمد، حيث وجدنا استجابة كبيرة من المواطنين والقيادات المحلية.
كما قدمت الولاية الشمالية قوافل دعم كبيرة إلى ولاية الجزيرة، شملت مواد البناء ومستلزمات السباكة ومواد التأهيل.
وكانت حكومة ولاية الجزيرة نفسها شريكاً أساسياً في عمليات الإعمار، إلى جانب حكومات الولايات الأخرى.
وقد وصلت إحدى القوافل إلى داخلية علي عبد الفتاح، وضمت نحو 17 شاحنة محملة بالمواد والمستلزمات، واستفادت منها الداخليات الأخرى أيضاً.
إن ما حدث يؤكد أن الشعب السوداني عندما يواجه التحديات يتكاتف ويتجاوز الصعاب، ولذلك نقول إن إعادة إعمار الداخليات كانت ملحمة وطنية سطرها السودانيون جميعاً.
100 ألف طالب وطالبة.. هل اقترب الصندوق من استعادة طاقته الاستيعابية؟
س: كم بلغ عدد الطلاب الذين يستوعبهم الصندوق حالياً، وما حجم التقدم الذي تحقق في إعادة الإعمار مقارنة بما قبل الحرب؟
الأمين العام:
في المرحلة الأولى بلغ عدد الطلاب الذين استوعبهم الصندوق نحو 79,400 طالب وطالبة، ونتوقع أن يرتفع العدد إلى ما يقارب 101 ألف طالب وطالبة مع اكتمال ترتيبات الاستيعاب حتى نهاية نوفمبر.
وقبل الحرب كانت الطاقة الاستيعابية للداخليات على مستوى السودان تتراوح بين 180 و190 ألف طالب وطالبة.
وبالنظر إلى الظروف التي مررنا بها، نستطيع القول إننا قطعنا شوطاً مهماً في إعادة الإعمار، وحققنا نسبة تتراوح بين 60 و70% تقريباً في الولايات المتأثرة بالحرب، مع استمرار العمل لاستكمال النواقص.
ونحن نعمل على توفير السكن للطلاب والطالبات، وقد لاحظنا وجود مساحات شاغرة في بعض الداخليات التي تم افتتاحها مؤخراً، وهو ما يمنحنا فرصة لاستيعاب أعداد إضافية.
هدفنا أن يعود الصندوق إلى أداء دوره بصورة كاملة، وأن لا يجد أي طالب أو طالبة نفسه مضطراً إلى ترك الدراسة بسبب عدم توفر السكن.
س: مع عودة الجامعات إلى مقارها، هل تتوقعون مواجهة أزمة في السكن الطلابي، خاصة في ولاية الخرطوم؟
الأمين العام:
نحن نتابع هذا الملف بصورة مستمرة، ولدينا مؤشرات حول أعداد الطلاب المتوقع عودتهم، كما نعمل على استكمال تأهيل المجمعات السكنية التي لم تدخل الخدمة بعد.
وقد لاحظنا أن بعض الداخليات التي تم افتتاحها لم تصل بعد إلى طاقتها الاستيعابية الكاملة، وهذا يعني أن هناك فرصاً لاستقبال أعداد إضافية من الطلاب.
كما أن هناك تنسيقاً مع الجامعات لمتابعة احتياجات الطلاب، وسنعمل على استيعاب الطلاب والطالبات وفقاً للإمكانات المتاحة.
ونأمل أن تكتمل الترتيبات بصورة تجعل السكن متاحاً للطلاب، خاصة أن العودة إلى مقار الجامعات تتطلب تهيئة البيئة السكنية والخدمية بصورة مناسبة.
رسوم السكن والكفالة.. كيف يواجه الصندوق أوضاع الطلاب الاقتصادية؟
س: هناك شكاوى من بعض الأسر محدودة الدخل بشأن رسوم السكن، خاصة أن كثيراً من الطلاب عادوا من النزوح وفقدوا مصادر دخل أسرهم. كيف يوازن الصندوق بين تكاليف التشغيل ومراعاة الظروف الاقتصادية للطلاب؟
الأمين العام:
نحن نتفهم تماماً الظروف الاقتصادية التي يعيشها الطلاب وأسرهم، وندرك أن الحرب أفرزت أوضاعاً اجتماعية صعبة للغاية.
لكن في المقابل، فإن تكلفة تشغيل الداخليات أصبحت مرتفعة، خاصة فيما يتعلق بالمياه والكهرباء والصرف الصحي والنظافة والصيانة والخدمات الأساسية.
وقد أجرينا دراسات تفصيلية لتحديد التكلفة التشغيلية الحقيقية، وخلصنا إلى أن الصندوق يتحمل نحو 60% من هذه التكلفة، بينما يتحمل الطالب 40%.
وهذا الترتيب جاء مراعاة لظروف الطلاب، لأن تحميل الطالب التكلفة الحقيقية للسكن أمر يفوق قدرته، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
ونحن نؤكد أن الصندوق لا ينظر إلى رسوم السكن باعتبارها مورداً ربحياً، وإنما هي مساهمة في توفير الحد الأدنى من استمرارية الخدمات والمحافظة على الداخليات.
كما أن هناك فئات معفاة من الرسوم، من بينها أبناء الشهداء العسكريين، إلى جانب استمرار برامج الكفالة والرعاية الاجتماعية.
س: ماذا عن الكفالة الطلابية، وهل هناك اتجاه لزيادة المبالغ المخصصة للطلاب المستفيدين منها؟
الأمين العام:
الكفالة الطلابية مستمرة، ولم نتوقف عن تقديمها رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
هناك كفالة مقدمة عبر ديوان الزكاة، تبلغ قيمتها الحالية نحو 50 ألف جنيه للطالب وفق البرنامج القائم، لكننا ندرك أن هذا المبلغ أصبح محدوداً للغاية ولا يتناسب مع متطلبات المعيشة في ظل التضخم وارتفاع الأسعار.
ونحن نسعى إلى تحسين هذه المبالغ خلال المرحلة المقبلة، وقد طرحنا هذه المسألة مع الجهات المختصة، ونتطلع إلى أن تشهد السنة الجديدة زيادة تساعد الطلاب بصورة أفضل.
لكن الرعاية الاجتماعية في مفهومنا لا تقتصر على الدعم النقدي المباشر، بل تشمل توفير الوجبات بأسعار مناسبة، وتقديم وجبات مجانية ومعينات للطلاب من وقت إلى آخر، فضلاً عن تخفيض تكاليف بعض الخدمات داخل المجمعات السكنية.
فعلى سبيل المثال، تتراوح أسعار الوجبات في بعض الداخليات بين ألفين وخمسمائة وثلاثة آلاف جنيه، ونعمل على تخفيف الأعباء عن الطلاب من خلال برامج الدعم الغذائي.
الدعم النفسي والصحي.. رعاية تتجاوز توفير السكن
س: الحرب خلفت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة لدى الطلاب، فهل لدى الصندوق برامج متخصصة للدعم النفسي والصحي؟
**الأمين العام:
نعم، نحن نولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً، خاصة أن الطلاب والطالبات تعرضوا لتجارب قاسية خلال الحرب، وفقد كثير منهم أسرهم وممتلكاتهم ومصادر استقرارهم.
ولدينا وحدات ومراكز للرعاية داخل المجمعات السكنية، ونستعين بالخبرات المتخصصة لتقديم المحاضرات والبرامج التوعوية والإرشادية.
وقد لاحظنا تفاعلاً كبيراً من الطلاب مع هذه البرامج، وطرحوا أسئلة كثيرة عكست حاجتهم الفعلية إلى الدعم النفسي والاجتماعي.
ونحن نعمل على توسيع هذه البرامج خلال المرحلة المقبلة لتشمل مختلف الولايات، وأن تكون الرعاية النفسية جزءاً أساسياً من منظومة الخدمات التي يقدمها الصندوق.
**س: وماذا عن الخدمات الأساسية، خاصة المياه والكهرباء والصرف الصحي في ظل أزمة الوقود والكهرباء؟
**الأمين العام:
واجهنا تحديات حقيقية في هذا الجانب، خاصة أن بعض الخدمات داخل الداخليات تعتمد بصورة مباشرة على الكهرباء، مثل ضخ المياه إلى الطوابق العليا وتشغيل محطات الصرف الصحي.
لكننا عملنا على توفير بدائل، واستخدمنا المولدات لضمان استمرار الخدمات الضرورية، كما اتجهنا إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية في بعض المجمعات السكنية.
وقد نجحنا في معالجة مشكلات عدد من محطات الصرف الصحي، وأصبحت الأوضاع أفضل مما كانت عليه في السابق.
ونحن نعتبر المياه والصرف الصحي والنظافة والكهرباء خدمات أساسية لا يمكن التهاون فيها، ولذلك نعمل على ضمان استقرارها بقدر الإمكان.
الباصات وذوو الإعاقة.. تحديات الخدمات المساندة
س: هل استعاد الصندوق خدمات ترحيل الطلاب، وما حجم الأضرار التي لحقت بأسطول الباصات والحافلات؟
**الأمين العام:
بعد الحرب لم نستأنف تشغيل خدمات الترحيل بصورة كاملة، لأن أسطول الباصات والحافلات تعرض لأضرار كبيرة.
كان لدينا نحو 27 باصاً وحافلة، وتعرض عدد كبير منها للتعطل، واستطعنا حتى الآن صيانة نحو سبعة باصات، لكنها لم تدخل الخدمة بصورة منتظمة حتى الآن.
ونحن نعمل على معالجة هذه المسألة وفق الإمكانات المتاحة، لأن تشغيل الترحيلات يحتاج إلى صيانة وموارد تشغيلية، خاصة الوقود وقطع الغيار.
**س: ماذا عن الطلاب ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، وهل راعى الصندوق احتياجاتهم في تصميم وتأهيل الداخليات؟
الأمين العام:
الطلاب ذوو الإعاقة يحظون باهتمام خاص من الصندوق، ولدينا عمليات حصر ورصد لاحتياجاتهم، سواء كانت إعاقات حركية أو سمعية أو بصرية.
ونعمل على توفير الوسائل المساعدة بحسب طبيعة احتياجات كل طالب.
كما نراعي هذه الاحتياجات عند تصميم وتأهيل المباني، بحيث يتم تخصيص أماكن مناسبة للطلاب ذوي الإعاقة الحركية، وتوفير الحمامات والمرافق القريبة منهم، مع مراعاة إسكانهم في الطوابق الأرضية لتسهيل حركتهم.
ونؤكد أن هذه الفئة جزء أصيل من مجتمع الطلاب، ومن واجبنا توفير بيئة سكنية تحفظ كرامتهم وتساعدهم على مواصلة تعليمهم.
استراتيجية ما بعد الحرب.. من الاعتماد على الحكومة إلى الموارد الذاتية
س: أشرتم إلى أن الصندوق يتجه لوضع استراتيجية جديدة لما بعد الحرب. ما أبرز ملامح هذه الاستراتيجية؟
الأمين العام:
الحرب فرضت علينا مراجعة كثير من المفاهيم والآليات التي كنا نعمل بها، وأصبح من الضروري أن نضع استراتيجية جديدة تتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب.
ومن أهم محاور هذه الاستراتيجية الاعتماد على الموارد الذاتية للصندوق، وعدم الركون بصورة كبيرة إلى الدعم الحكومي، خاصة أن الظروف الاقتصادية للدولة أصبحت معقدة.
لدينا قانون ينظم عمل الصندوق، ولدينا إمكانات وأصول يمكن استثمارها في مشروعات خدمية وإنتاجية تساعد على توفير موارد مالية مستدامة.
نحن نريد أن نطور أداء الصندوق، وأن ننتقل من مرحلة الاعتماد على التمويل الحكومي إلى مرحلة يكون لدينا فيها دخل ذاتي يساعدنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الطلاب.
كما نعمل على الاستفادة من الأعداد الكبيرة للطلاب الموجودين داخل المدن الجامعية، وتحويل هذه الكتلة الطلابية من عبء خدمي إلى طاقة إيجابية تسهم في الإنتاج والتنمية.
س: تحدثتم عن تحويل الطالب من متلقٍ للدعم إلى طالب منتج. كيف ستترجمون هذه الرؤية إلى مشروعات عملية؟
الأمين العام:
هذه واحدة من أهم ركائز استراتيجيتنا الجديدة.
نحن نؤمن بأن الطالب لا ينبغي أن ينتظر التخرج حتى يبحث عن وظيفة، بل يجب أن يخرج من الجامعة وهو يمتلك مهارة أو حرفة أو فكرة إنتاجية يستطيع من خلالها الاعتماد على نفسه والمساهمة في الاقتصاد الوطني.
ولهذا أنشأنا إدارة متخصصة باسم إدارة تنمية المهارات والمشروعات الإنتاجية للطلاب.
لاحظنا أن هناك أعداداً كبيرة من الطلاب، خاصة في الكليات النظرية، لديهم أوقات يمكن استثمارها في التدريب والإنتاج وتنمية المهارات، مع المحافظة بالطبع على التزاماتهم الأكاديمية.
ونستهدف في المرحلة الأولى الوصول إلى نحو 10% من الطلاب الموجودين في الداخليات، أي ما يقارب 18 ألف طالب وطالبة إذا احتسبنا العدد على أساس 180 ألفاً.
نريد أن تكون هذه المجموعة نموذجاً ناجحاً للمشروعات الإنتاجية الطلابية، بحيث تتوسع التجربة تدريجياً وتصبح ثقافة الإنتاج والعمل الحر جزءاً من الحياة الجامعية.
كما أننا لا نفرض على الطلاب نوعاً واحداً من المشروعات، بل نستمع إلى أفكارهم ومبادراتهم، فهناك طلاب لديهم تجارب فعلية في التجارة الصغيرة وبيع الخضروات ورصيد الهواتف وغيرها من الأنشطة، ويحتاجون فقط إلى رأس مال بسيط يساعدهم على تطوير أعمالهم.
ونحن نعمل على دعم هذه المبادرات وتوفير التدريب والتمويل المناسب لها، حتى يصبح الطالب منتجاً قبل تخرجه.
مهرجان الكرامة.. بناء الوعي الوطني ونبذ العنصرية
س: نظم الصندوق مهرجان الكرامة الطلابي، فما الرسائل التي أردتم إيصالها من خلال هذا المهرجان؟
الأمين العام:
مهرجان الكرامة لم يكن مجرد فعالية ثقافية أو رياضية، بل كان مشروعاً معنوياً وتربوياً يستهدف تعزيز القيم الوطنية والأخلاقية والدينية لدى الطلاب.
جاء المهرجان تحت شعار «إعمار البلدان لبناء السودان»، وكان الهدف منه توجيه طاقات الطلاب نحو القضايا الوطنية، وتعزيز روح التضامن ونبذ العنف والعنصرية والجهوية.
اشتمل المهرجان على خمسة مسارات رئيسية، تضمنت الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والتربوية والعلمية.
وشهدت المسابقات الثقافية والفنية مشاركات واسعة، كما تناول المسرح الطلابي والرسم والأغنية الشعبية قضايا الحرب والنزوح والصمود والتضحيات التي قدمها الشعب السوداني.
وكان هناك اهتمام خاص بالمسابقات الدينية وحفظ القرآن الكريم، إلى جانب البحوث العلمية التي تناولت قضايا حرمة الدماء ونبذ العنف.
نحن نريد أن نحصّن الطلاب فكرياً وأخلاقياً، وأن نؤكد لهم أن السودان وطن يسع الجميع، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عنف أو صراع أو تمييز.
وقد لمسنا تفاعلاً كبيراً من الطلاب مع المهرجان، وحقق أهدافاً معنوية وتربوية مهمة، ونعمل على استكمال فعالياته وختامه في العاصمة القومية.
الصندوق ومستقبل التعليم العالي في السودان
س: أنشأ الصندوق أكثر من 176 مدينة جامعية، إلى أي مدى أسهم في انتشار التعليم العالي وتوسيع فرص الوصول إليه؟
**الأمين العام:**
الصندوق كان له دور محوري في انتشار التعليم العالي بالسودان، وأعتقد أن توسع الجامعات جغرافياً لم يكن ليحقق النتائج نفسها لولا وجود المدن الجامعية والداخليات التي توفر السكن للطلاب القادمين من مختلف المناطق.
في السابق كانت الجامعات محدودة ومتركزة في عدد من المدن، وكان الطالب يضطر إلى السفر لمسافات بعيدة بحثاً عن التعليم.
لكن إنشاء المدن الجامعية ساعد على تحقيق الانتشار الجغرافي للتعليم العالي، وأتاح للطلاب فرصة الدراسة بالقرب من مناطقهم، بدلاً من اضطرارهم إلى الانتقال إلى العاصمة أو المدن الكبرى.
وقد أسهم الصندوق في التوسع الأفقي والرأسي لمؤسسات التعليم العالي، وأصبح السكن الطلابي جزءاً أساسياً من منظومة إتاحة التعليم للجميع.
ونحن نطمح إلى تطوير هذا الدور خلال المرحلة المقبلة، حتى لا تكون الظروف الاقتصادية أو عدم توفر السكن سبباً في حرمان أي طالب من مواصلة تعليمه.
س: ما رسالتكم الأخيرة للطلاب وأسرهم، وللجهات الرسمية والمجتمع السوداني؟
**الأمين العام:
نحن سعداء بما تحقق حتى الآن، رغم أن حجم التحديات كان كبيراً والإمكانات محدودة، لكننا استطعنا بفضل الله ثم بجهود العاملين بالصندوق ودعم المجتمع السوداني أن نعيد تأهيل عدد كبير من الداخليات.
وأقول للطلاب إن الصندوق موجود لخدمتهم، وإننا نعمل على تطوير الخدمات السكنية والاجتماعية والنفسية والإنتاجية حتى تكون الداخليات بيئة مناسبة للتحصيل الأكاديمي وبناء الشخصية.
كما نناشد الجهات الرسمية والمجتمع السوداني مواصلة دعم جهود الإعمار، لأن الاستثمار في الطالب هو استثمار في مستقبل السودان.
ونحن لا نريد أن يظل الطالب مجرد متلقٍ للخدمات، بل نريده أن يكون شريكاً في الإنتاج والتنمية وإعادة بناء الوطن.
فالسودان يحتاج إلى طاقات شبابه وعقولهم ومهاراتهم، وهذه هي الرسالة التي نعمل من أجلها في الصندوق القومي لرعاية الطلاب.




