فضاء الرأي

تنظير آمنة السيدح تكتب …….البشارة .. مركز ضخم لعلاج الادمان

تنظير
آمنة السيدح
البشارة .. مركز ضخم لعلاج الادمان

في ظل الانتشار المقلق للمخدرات وتعدد أنواعها، وتزايد أعداد المتعاطين، ودخول صغار السن إلى دائرة الإدمان، أصبح واضحاً أن أساليب المواجهة التقليدية صارت غير كافية وحدها. لأن المشكلة لم تعد أمنية فقط، ولا حتى توعوية، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية وصحية واقتصادية تتطلب انتقالاً جاداً إلى مراحل أكثر شمولاً في إطار مكافحة المخدرات.

سادتي طوال السنوات الماضية، صُرفت أموال وجهود كبيرة على حملات التوعية، وهي جهود مهمة بلا شك، لكنها وحدها لا تعالج الجرح الغائر. فالتوعية لا تُجدي نفعاً مع مدمن وصل إلى مرحلة الاعتماد الكامل، ولا تُنقذ أسرة عاجزة عن توفير تكلفة علاج باهظة. من هنا برزت الحاجة الملحّة إلى إنشاء مراكز علاج متخصصة، واسعة الاستيعاب، تمثل بيئة إنسانية وصحية حقيقية للتعافي.

واقع الحال يؤكد أن مراكز علاج الإدمان السابقة لم تكن قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المدمنين، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو الإمكانيات الفنية. يضاف إلى ذلك أن المجتمع وللأسف لا يزال ينظر إلى العلاج من الإدمان باعتباره “وصمة”، ما يدفع كثيرين إلى التخفي بدلاً من المواجهة، فتتفاقم المأساة بصمت داخل الأحياء والبيوت.

من هذا المنطلق، تكتمل صورة المواجهة الحقيقية حين تجتمع ثلاثية واضحة: مكافحة أمنية حازمة، وتوعية مستمرة، وعلاج متاح وآمن ومحترم. ولهذا جاء الخبر المدهش والمهم بإعلان وزارة الداخلية تبنيها تشييد أكبر مركز لمعالجة حالات الإدمان شرقي مدينة عطبرة بولاية نهر النيل وجاء ذلك خلال المؤتمر الذي نظمته منظمة النهضة السودانية للسلام والتنمية المستدامة بولاية نهر النيل الاسبوع المنصرم بخصوص المخدرات ، كما أعلنت الوزارة أن مساحة المركز تُقدَّر بنحو (2500) متر مربع، بعد التصديق على قطعة الأرض ووضع حجر الأساس للمشروع.

هذا المشروع لا يمثل مجرد مبنى، بل يحمل رسالة قوية مفادها أن الدولة بدأت تنظر إلى الإدمان بوصفه قضية علاج ورعاية، لا مجرد جريمة أو انحراف. وقد أكد الخبير القانوني ورئيس اللجنة القانونية باللجنة الفرعية لمكافحة المخدرات بولاية نهر النيل، إيهاب عوض بشير، أن إنشاء مراكز علاج الإدمان أصبح ضرورة ملحّة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة العلاج التي قد تتجاوز (10) ملايين جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر.

كما دعا إيهاب إلى توسيع الشراكات مع الجهات الاتحادية والمجتمعية، وأشار إلى أهمية مساهمة شركات التعدين والأسمنت والصناعات العاملة بالولاية في دعم إنشاء مثل هذه المراكز. وهي دعوة في محلها، فالمسؤولية المجتمعية سادتي يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من معركة إنقاذ الإنسان، قبل أن يتحول إلى رقم في سجلات الجريمة أو ضحية في صمت البيوت.

إن بناء مراكز علاج حديثة ومتكاملة هو استثمار في الإنسان، وحماية للمجتمع، وخطوة شجاعة نحو كسر وصمة الإدمان، وفتح أبواب الأمل أمام من ضاقت بهم السبل. وفي معركة المخدرات، لا يكفي أن نطارد السموم، بل يجب أن نداوي آثارها، ونمنح المتعافي فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى