خالد زمراوي يكتب… نتائج ممارسة الإدراك الانتقائي… واثاره السلبية على المجتمع

نتائج ممارسة الإدراك الانتقائي… واثاره السلبية على المجتمع
د. خالد زمراوي
لاشك إننا نعيش حالة من الخلل تسمى التحيز الإدراكي وتعرف في علم الإدارة المتخصص بالسلوك التنظيمي او الادراك الانتقائي ….
فما هو الإدراك الانتقائي؟ (Selective perception) عبارة عن عملية يقوم بها العقل اللاواعي بتصنيف وتصفية وتحديد المعلومات الواردة من أحداث ومواقف معينة وعليه يتم اختيار الجوانب المحددة التي تتوافق مع المعتقدات والاهتمامات والخبرات بوقتها الحالي وما هي عليه مع تجاهل تام للجوانب التي تتعارض مع تلك التوجهات..
وبعبارة أخرى… هي عملية اختزال معلومات من موقف بشكل انتقائي بحسب توجهات خاصة شخصية تعبر عن الحالة والبحث عن معلومات تؤكد مراعاة عدم وجود ما يعارضها وهنا جاءت لتختصر Anaïs Nin – المؤلفة والناقدة والكاتبة الأمريكية – لهذا التحيّز بقولها «We don’t see things as they are, we see them as we are» نحن لا نرى الأشياء كما هي بل نراها كما نحن أو كما نريد ليصاحبه سؤال مطروح ما هي نتائج التأثير الإدراكي الانتقائي؟
أن الأشخاص الذين يمارسون الإدراك الانتقائي يُؤثرون سلبًا على من يتعايشون معهم بل على المجتمع ككل ومن أبرز آثارها الأجتماعية زيادة التحيزات وتعمق الانقسامات الداخلية ليضع صورة موجهة ومشوهة للأخرين وهذا يؤدي إلى إيجاد صعوبة لحل المشكلات الاجتماعية مترتبة على اصرار تجاهل المعلومات المتعارضة مع الأفكار المسبقة وصعوبة فهمها وتناولها بكمال شكلها وهو طبيعي ما يسهم في إيجاد عراقيل توضع بطرق إيجاد الحلول الفعّالة وبالتالي يكون هناك تزايد حاد بالصراعات نتيجة أرتباطها بأنتشار الشائعات والمعلومات المضللة وغياب الوعي المجتمعي …
ولاعتبارات أخرى حصرية على الإدراك الانتقائي وعدم تقبل اي معلومة يراها بعيدة ولا تتناسب مع نفس ذات الأفكار بعينها حتى لو كانت خاطئة..
ومع انعدام تواجد الموضوعية ومسؤولياتها المباشرة عن تفسير المواقف وتوافر المعلومات الواردة الناتجة بناءً على التحيز الشخصي والتي بدورها تقود الي حيثية تلاشي تطبيق وتحقيق إصدار الاحكام العادلة على الآخرين… ومن حيث مروري من خلال العمل بالقطاعات الحساسة بالدولة سواء القانونية او السياسية او التحليلية او العسكرية اوالاستراتيجية او الدبلوماسية وجدت بأن جميعها يواجه ويتم بداخلها ممارسة الإدراك الانتقائي دون وعي ويتم التحيّز إلى فكرة او مواقف بعينها ضد الطرف الآخر وقد بُنيت هذه الفكرة على اساس الظنون وأحتمال فرضية صحتها معتمدة فقط على البينةالسماعية Auditory evidence دون التعمق في معرفة الأحداث والاعتماد على بينة المشاهدة Observation Evidence وتحليل المواقف المصاحبة وإعطاء فرص التوضيح وشرح وجهات النظر للطرف الآخر…
ووفقا لتلك المعطيات وبناء عليه فسوف يتم بذل الجهود الدفاعية لدعم الفكرة الذاتية أحادية المعتقد مع سبق الاصرار على تجاهل أي معلومات تحاول أن تتعارض معها… إذا وفي مثل هذه الحالة حتما سيكون صدور الاحكام نابعة عن التحيز وهو منافي وبعيدا عن مبادئ الإنصاف والعدالة …
وإيجازًا وتلخيصاً لما سبق فأن الإدراك الانتقائي يُشوّه رؤية الأحداث برمتها بحيث يتم توجيه وبرمجة الاختيار للمعلومات المُؤكدة بناء على الحالة المزاجية الشخصية ومدي وانعكاسها على الآخر وتجاهل كل ما هو مخالف لها وبالتالي هذا يُشكّل تحديًا لمجتمعاتنا، فهو يُعمّق الانقسامات ويُعزّز التحيّزات ويُعرقل حل المشكلات ويؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة عن قصد ورسم الصورة المشوهة والتي تضير بالاخر .
أما على نطاق التوسع بمجال قيادات الازمات فالشخص الإدراكي الانتقائي يهدد التفكير الموضوعي في اتخاذ القرارات وإقامة العدالة في التعامل مع المواقف. وأخيرا ولتحقيق تبني رؤية العيش بسلام دائم ووقف ونبذ أفكار العنف والتخريب الممنهج ونشر مفاهيم حب الوطن والوطنية بفاعلية أكثر يتحتّم علينا جميعًا سيادة ونشر وازدياد الوعي للمواطن والذي يقابله من الجهة الأخرى أمانة الطرح التوعوي لتجنّب الوقوع في الإدراك الانتقائي وترسيخ رؤية شاملة من خلال هندسة بناء جسور التقدم العابرة الي حيث تحقيق الأهداف الموضوعة للوطن الغالي …


