تنظير آمنة السيدح تكتب …حجوة أم ضبيبينة
دكتورة لمياء -بشهادة كثيرين- أدارت وزارة مجلس الوزراء بكفاءة واقتدار

تنظير
آمنة السيدح
حجوة أم ضبيبينة
مما لا شك فيه أن الحكومات المدنية كثيرا ما تواجه تحديات معقّدة في دول مثل السودان، وهو ما جعل البلاد تعيش حالة دائمة من المدّ والجزر بين حكومات مدنية مترنّحة يعقبها حكم عسكري، غالبا ما تكون له خلفية حزبية.
في هذه الدوّامة، تصطف قوى أخرى -منظمة أو مرتجلة- لمحاربة من هم في سدّة الحكم، لا بدافع وطني خالص، بل في الغالب بدافع الصراع على الكراسي أو زلزلة من يجلسون عليها.
وهكذا تتحول الساحة السياسية إلى ما يشبه صراع “دود الخل منو وفيهو”، حيث تهتز الكراسي من داخلها قبل أن تهتز بفعل معارضة خارجية. وللأسف، يبدو هذا المشهد حاضرا وبوضوح في الحكومة الحالية، إذ لا يكاد يمر يوم دون تسريبات عن إقالات أو تعديلات وزارية قادمة.
هذه التسريبات، التي يُقال أحيانا إنها “بالونات اختبار”، ثبت في كثير من الأحيان أنها صحيحة، ما يشير بوضوح إلى وجود مسرّبي أخبار داخل كيان الحكومة نفسها، وأصحاب أغراض قد لا تخفى على أحد.
ولقد تواصلت قبل فترة مع أحد الأسماء التي أُشير إلى تعيينها في منصب وزاري، فنفى تلقيه أي اتصال رسمي. أخبرته حينها أن أغلب التسريبات السابقة كانت صحيحة، وأن الاتصال سيأتيه قريبا، وهو ما حدث بالفعل. هذه الواقعة وحدها كافية لطرح سؤال كبير حول خطورة هذا النهج وآثاره على استقرار العمل التنفيذي.
ما دفعني لكتابة هذا المقال تحديدا سادتي هو الحديث المتكرر هذه الأيام عن تعديلات وزارية مرتقبة، تشمل إقالة هذا وتعيين ذاك، أو نقل وزراء من حقائبهم إلى وزارات أخرى. ومن بين ما يُتداول، حديث عن إقالة د. لمياء عبد الغفار من منصبها كوزير لوزارة مجلس الوزراء، وتعيينها وزير للبيئة.
وبكل موضوعية، فإن هذا الطرح يفتقر إلى المنطق. فالدكتورة لمياء -بشهادة كثيرين- أدارت وزارة مجلس الوزراء بكفاءة واقتدار، وحفظت “لوحها” كما يقال، رغم أن هذه الوزارة تُعدّ واسطة عقد الوزارات كافة، والمتابعة فيها لصيقة ومعقّدة، ونجاحها يعني بالضرورة نجاح أداء الحكومة ككل. ومؤهلاتها العلمية والعملية تجعلها من أنسب الكفاءات لإدارة هذا الموقع الحساس.
فإذا كانت قد أخفقت، فلكل مقام مقال، ولكل إخفاق حساب. أما إذا كانت قد نجحت هذا النجاح الباهر، فما المنطق في إبعادها عن وزارة مجلس الوزراء؟ ولماذا المجازفة بترك هذا الموقع لقادم جديد قد ينجح أو يفشل، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى الاستقرار لا التجريب!!.
سادتي إن نقل وزيرة ناجحة من موقع محوري بحجة إسناد وزارة أخرى لها، لا يستقيم سياسيا ولا إداريا. فالنجاح في وزارة مجلس الوزراء ليس نجاحا فرديا، بل هو نجاح لمنظومة الحكم بأكملها.
وعليه، فإن مثل هذه التسريبات لا يمكن فصلها عن وجود أغراض خفية، قد تحرّكها مصالح شخصية أو صراعات نفوذ، وربما تضارب مصالح مع وجود وزيرة مقتدرة في موقع بالغ الحساسية.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاما، هل يكون هذا الاستهداف، إن صحّ، استهدافا على أساس الجندر؟ هل ما زال بعضهم يرى أن الرجال أولى بهذه المواقع؟ إن صحّ ذلك، فنحن نكون قد عدنا -دون مواربة- إلى جاهلية سياسية جديدة، فكما كان أهل الجاهلية الأولى يئدون البنات، ها هم بعض أهل الحكم اليوم يحاولون “وأد” امرأة نجحت في منصب صعب المراس، فقط لأنها نجحت.
والأخطر من كل ذلك سادتي أن خسارة الكفاءات -أيا كان نوعها- هي خسارة للوطن قبل أن تكون خسارة لشخص. والسودان اليوم لا يحتمل مزيدا من إهدار النجاح.
واخيرا سادتي نطالب مجلس السيادة بالتدخل في الحكومة المدنية إذا واصلت هرجلتها لأنها ستشغل الجميع عن الاستهداف الكبير الذي تتعرض له البلاد، رغم علمنا بأن مجلس السيادة تعهد للمدنيين بعدم التدخل في حكومتهم، ولكن إذا كانت المصلحة العليا تتطلب الحسم فلما لا يتدخل؟!!.




