لايف استايل

التنكيس في سور القرآن الكريم… حكمة الترتيب وإعجاز البناء…..

تنكيس الآيات داخل السورة لا يجوز بإجماع الأمة

التنكيس في سور القرآن الكريم… حكمة الترتيب وإعجاز البناء…..

بقلم /ليلى عبد العزيز
كثيرًا ما يثار التساؤل حول ما يُعرف بـ«التنكيس» في سور القرآن الكريم، وهل يعني ذلك تقديمًا وتأخيرًا يخالف ترتيب النزول، أم أنه خلل في تنظيم المصحف؟ والحقيقة أن هذا المفهوم، عند التوقف المتأني في علوم القرآن، يكشف عن جانب عظيم من جوانب الإعجاز والحكمة في كتاب الله العزيز.
فالتنكيس في اصطلاح العلماء لا يُقصد به العبث أو الاضطراب، وإنما يعني اختلاف ترتيب سور القرآن في المصحف الشريف عن ترتيب نزولها الزمني. وقد نزل القرآن منجمًا، حسب الوقائع والأحداث، على مدى ثلاث وعشرين سنة، بينما جُمع في المصحف وفق ترتيب رباني محكم، يقوم على وحدة الموضوع وترابط المعاني لا على التسلسل الزمني.
وقد أجمع العلماء على أن ترتيب آيات القرآن داخل السورة الواحدة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه، إذ كان النبي ﷺ يحدد موضع كل آية بأمر من الوحي. أما ترتيب السور، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه كذلك توقيفي، وأن النبي ﷺ أقرّ هذا الترتيب وعلّمه للصحابة، فيما رأى بعضهم أن ترتيب بعض السور كان باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم عند جمع المصحف، دون أن يترتب على ذلك خلاف أو تنازع.
ومن المهم التفريق بين أنواع التنكيس؛ فتنكيس الآيات داخل السورة لا يجوز بإجماع الأمة، لما فيه من إخلال بالنص القرآني، بينما تنكيس السور في التلاوة أو القراءة لا يبطل الصلاة، وإن كرهه بعض الفقهاء من باب الأدب مع القرآن، لا من باب التحريم.
وتتجلى الحكمة في ترتيب سور القرآن كما هو بين أيدينا اليوم في أنه ترتيب موضوعي وتربوي بامتياز، يبدأ بتثبيت العقيدة، ويؤكد التوحيد، ثم ينتقل إلى التشريع، فالقصص، فالمواعظ، في بناء متكامل يخاطب القلب والعقل معًا. وهذا الترتيب لم يكن عشوائيًا، بل يعكس وحدة القرآن رغم تعدد أسباب نزوله.
إن التأمل في مسألة التنكيس يقودنا إلى حقيقة جليلة، وهي أن القرآن الكريم كتاب هداية، لا كتاب تاريخ، وأن ترتيب سوره جاء وفق ما يحقق المقصد الأعظم من إنزاله: هداية البشر، وتقويم السلوك، وبناء الإنسان الصالح.
وهكذا يبقى القرآن الكريم، في نظمه وترتيبه ومقاصده، معجزة خالدة، يشهد كل حرف فيه بأن هذا الكتاب تنزيل من حكيم خبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى