فضاء الرأيكتاب اسكوب

دكتور خالد زمراوي يكتب… وداعا لنسختنا الأولى

*وداعا لنسختنا الأولى..

د. خالد عبد المجيد زمراوي

وقفت أمام مرأةِ الحياة بالأمس القريب لأتفحص انعكاسات ما ترتبت علىيه آثار حرب السودان فينا… وعلمت بأن ملامحنا ليست علامة ولا دليل لعملية التبديل ولا على مراحل التقدم في العُمر.. بل هي مجرد حيلة لدفن نُسخ من أنفسنا تحت ركام الخزلان… وحين ننظر خلفنا فلن نجد في أنفسنا الا مجرد خيال ولا يوجد اي من كان لأجل أن نلقى عليه نظرة الوداع الاخيرة حتى وان كان مجرد الالتفات هو ما يعبر عن حال ما بالدواخل فقط …

نعم هي دعوة لنودع نسختنا الأولى مما يترسخ بنقاء الطفل الصادق داخِلُنا…

وداعاً لتلك الظنوُن والتي ظلت تؤمن بأن الحُب يكفي وأن الصدق مُنجي وأن النوايا الحسنة والطيبة جميعها قادرة على فرض سيطرتها مجتمعة على لين القلوب..

وداعا لتلك النسخة والتي ظلت تحت تأثير معتقداتها بأن من يتعايشون معنا يحملون جينات الشبه فيما بينهم فعكفت على فيض تدفق نفس ذات المشاعر دون رقيب أو حسيب وكأنما الحب والوفاء مقدسات مرتبطة بقوانين كونية لا تنكسر ابدا..

وداعا لنسخة صوتنا القديم والذي كان يصاحبه الارتجاف عند المواجهات…

وداعا لقلوبنا التي كانت تقابل الأسائة بالغفران والصفح.. وهي التي أيضاً لا تمتُ للعدالة المجتمعية بصلة…

وداعا لكرامة دموعنا الصامتة وهي حبيسةُ بالدواخل محرمةُ علينا في ظل أقصى أوضاع ضعفنا..

نعم لقد هرمنا وتعلمنا بأن ليس هناك من يحمل عنا ثقل أوذار القلوب وليس أيضا هناك من يعيد ثقتنا المهشمة بمن لا يستحق…

هرمنا وقررنا ان نغلق أبواباً كانت مفتوحةُ على اوجاعنا طيلة الوقت وفي المقابل اغلقنا قلوباً كانت شراعا أمناً في وجه العابرين…

تعلمنا ان من الأهون والأخير والأفضل تحمل شدة بأس الوحدة طالما ان الحضور قد يعجل بنا ويعمل على تأكلنا من الداخل..

دعوني اخبركم بأن النسخة والتي نحن عليها الآن لم تأتي من فراغ بل هي كانت وليدةُ حفنةِ ما تَبقي من رمادٍ قديم مازال مشتعلاً وصمتُ لا يُباد وليالٍ كم تكسرت فيها الأرواح ولم يسمع لتأوهِهَا صياح..

أصبحنا الان أشد حذرا من بعضنا البعض واقل ثرثرة وضجيجاً… أصبحنا اكثر وعيا… كيف لا ونحن أول من أودع النسخة الأولى والتي خيبت ظنوني وحسبت حينها بأن الجميع كان يستحق أن تأتي الفرصة راغمة للأحتفاظ بها لأجل أن يتم عطَائِها لمن يستحق البقاء ….

نعم.. هو وداعا ابدياً لم يكن سهلاً لنسختنا الأولى… ولكنه كان ضرورياً وحتمياً لأنقاذ ما تبقى من أنفسنا..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى