
15ديسمبر 2023 بدأ الهجوم الوحشي البربري الغادر على حاضرة ولاية الجزيرة مدينة ودمدني” الابتسامة والحب والجمال” المدينة الوادعة على النيل الأزرق معطونة بلونه الوهاج وجماله الدفاق وكان الناس في ذلك اليوم شبه سُكارى من هول صدمة ومفاجأة وصول التمرد أطراف حاضرة ولاية الجزيرة بهذه السرعة.! ولأن الصورة الذهنية عن بطش الجنجويد في الخرطوم كانت أشد وقعًا في نفوس المواطنيين بودمدني خاصةً الذين نزحوا من الخرطوم فبدأ التسرب من المدينة بما خف و سهل حمله ،فقبل أن يُحكم التمرد قبضته على المدينة بالكامل في أمسية الاثنين 18 ديسمبر لم يبقى فيها إلّا القليل من السكان فالكل غادر..! إلى أين؟ كل من تسأله لا يعرف..! المهم سلك الطريق المتاح للخروج…
فبعد حوار ذاتي استمر ليلةً كاملة اتخذت قرار مخالفًا للآخرين بالبقاء وعدم الخروج ظنًا منى أن اسبوعين ثلاثة كافية للعودة وأن التمرد لن يستطيع الصمود في ودمدني بحكم الجغرافيا وأهميتها الاستراتيجية وبالفعل بدأت في تنفيذ الخطة مع اتخاذ تكتيكات مرحلية تجنبني الاحتكاك مع عناصر التمرد بشكل مباشر..
فتوجهت صوب استراحة مجمع النشيشيبة(2)الذي غادره كل ساكنيه إلا ثلاثة أسر في ذلك الوقت فمكثتُ ليلةً واحدة في إستراحة النشيشيبة بعدها قررت تعديل في الخطة بعد ما رأيت في النشيشيبة من مصائب وأهوال(حركة شفشافة غير طبيعية، أصوات كسر أقفال المنازل عينك يا تاجر..! ، حركة سحب العفش ..ألخ) فكانت الخطة البديلة الانتقال إلى حيّ الصفاء فإن بعض شبابه موجود لحماية البيوت من الشفشفة..! ومن ضمن عناصر الخطة متابعة ما تبقي من مستلزمات المنزل التي قمت بنقلها قبل ثلاثة أشهر من الهجوم على ودمدني إلى منزل زميلنا الدكتور موسى تية كودي بمجمع النشيشيبة فكان من الضروري ما ظللت موجودًا في ودمدني زيارة المنزل كل فترةٍ وأخرى للإطمئنان على ما تبقي من “عفش” فاتخذت طرقًا متعرجة في الوصول إليه(زقاقات وشوارع ميتة) نجحت الخطة ونجوت أكثر من مرة من المواجهات المباشرة مع عناصر المليشيا..
لكن في الأول من يناير 2024 في تمام الساعة الثامنة صباحًا وأنا في طريقي إلى مجمع النشيشيبة سيرًا على الأقدام اتخذت طرقًا أخرى بدأتها بعبور مقابر الأندلس مرورًا ببعض الزقاقات في حي الأندلس لكن هذه المرة فشلت الخطة وتم القبض عليَّ وكانت التمهة “مرة لواء ومرة عميد ومرة عقيد في الجيش يرفع إحداثيات طيران” وتم اقتيادي إلى معتقل في حي الأندلس وبدأوا معيَّ التحقيق مع التخويف والترهيب ففشلت كل محاولاتهم لتأكيد التهمة وكانت إجابتي واحدة فقط “أستاذ جامعي” وليس لي علاقة بالعمل مع الجيش أو غيره فقرروا “جدعي في السجن” هكذا سمعتهم يقولون” لكن من لطف الله تبارك وتعالى أن سخر لي شخصًا سمعتهم يقولون اسمه “اللواء عبد الرحيم” جلس معي عبد الرحيم في الغرفة المخصصة للاعتقال ساعة كاملة..! بكل صراحة أتاحت لي هذه الفرصة الذهبية التعبير عن نفسي بدقة ما وجدتها من قبل مع المحققين الأوائل؛ عقب هذه الجلسة”الفرصة الذهبية” قال عبد الرحيم لمجموعته الزول دا جبتوه من وين..؟! فقالوا من الزقاق دااااك فقال لهم إنتو بتقبضوا سااااي الزول دا معلم بس ..! وفأطلِقوا سراحه وقد فعلوا..
بعدها قررت الخروج من ودمدني وأن لا أعود إليها إلّا وهي حرة… وبدأت رحلة النزوح(للقصة بقية) في غياهب الظلمات فاكرمنا الله “بنور” فكانت بهجةعُمُرنا وسلوان حياتنا.
___________
(1)نور: بنتي الصغرى من مواليد 12اغسطس2024.
(2) النشيشيبة:مجمع يتبع جامعة الجزيرة تم تأسيسه 1975.



