دلالة المصطلح وقيع الله حمودة شطة يكتب .. حادثة مقتل الشباب المعدنين في جنوب الوادي قراءة في مشهد الرأي العام…

دلالة المصطلح
وقيع الله حمودة شطة
حادثة مقتل الشباب المعدنين في جنوب الوادي قراءة في مشهد الرأي العام…
لا ينفي أحد من الناس تجذر العلاقة التاريخية والحضارية والثقافية بين السودان ومصر في المحيط الإسلامي والعربي والأفريقي، ومن المصطلحات القوية الشائعة في الأدبيات الثقافية والإعلامية تسمية شعبي السودان ومصر بسكان وادي النيل، حيث يمثل نهر النيل العظيم رابطة طبيعية تاريخية وتنموية عظيمة ممتدة في وجدان الشعبين، تربط السودان بمصر ومصر بالسودان.
غير، أن الخلل اليوم ليس في الإعتراف بهذه الروابط التاريخية، أو إنكارها، فتلك قضية من الثوابت، وإنما الخلل في ضعف التنسيق المشترك بين البلدين المسلمين العربيين الأفريقيين في الصحراء الكبري، نتيجة لتعارض مواقف الأنظمة السياسية في البلدين، وبالرغم من أن السودان يمثل عمقا استراتيجيا وأمنيا واقتصاديا لمصر في شمال الوداي، إلا أن الجانب المصري لم يهتم بقضية الأمن القومي الوطني والسلام والاستقرار في السودان اهتمام الكفاية، الذي يحقق التكامل الكافي التام! .. ويأتي دور بعض رموز الإعلامي المصري على قائمة جهات منظمة تنخر في أساس هذه العلاقة القوية لفظا، الضعيفة والمتهالكة معني وفعلا في الواقع.
فإذا كان السودان يسمى جنوب الوادي ومصر شمال الوادي في إطار جغرافية حوض النيل أو وادي النيل، فإن التضليل في المصطلحات يمثل إدانة أخلاقية، ومدخلا متعمدا لطمس الحقائق وتضليل الرأي العام في السودان ومصر، وللأسف الشديد يمثل قمة هذا التضليل إعلاميون وصحافيون ومسؤولون أمنيون وعسكريون في البلدين معا، مما يجعل قراءة تواصل تلك الصلات مرتبطة بالمصالح الذاتية الضيقة ومرتبكة ومهزوزة في مقاييس التكامل الشامل.
إن لجوء واستقرار الآلاف من السودانيين والمصريين هنا وهناك، وتوافد ملايين منهم للعلاج والتعليم والسياحة والعمل والمنح والزيارات والورش والمؤتمرات والمنتديات والعلاقات الشعبية داخل البلدين على أهميتها ليست بكافية في رعاية وحماية علاقات عميقة ومتجذرة في أعماق الحضارة، والممتدة في أزلية التاريخ المشترك، ولعل الأهم فيه رابطة العقيدة والدين واللغة والثقافة والأدب، ولذلك فوق هذا لابد من توفر علاقات سياسية وتشريعية وقانونية تتجاوز خلافات الأنظمة السياسية الحاكمة الطارئة هنا وهناك، لأنها الضامن الأهم لحماية المصالح المشتركة بين الشعبين الشقيقين، ورعاية حماية عمق العلاقات بصورة منهجية وفي مقدمتها الأمن القومي المشترك، والأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي.
إن السودان اليوم يمر بمرحلة أمنية وسياسية واقتصادية حرجة تتطلب من دول الحوار السوداني المخلصة، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية وارتريا مواقف أخوية صادقة خالصة تتجاوز موقف رقي الحديث الدبلوماسي، والتعاطف اللفظي، والحنين الإعلامي، إلى الفعل العملي والميداني في معركة الكرامة بالسلاح والرجال بمفهوم إتفاقيات حماية الأمن القومي العربي، ووجودا في ساحة الاقتصاد بمفهوم إتفاقيات وبرتكولات ومذكرات التكامل والتعاون والتبادل العربي، ودعما سياسيا وإعلاميا في المنابر والقنوات الدولية والإقليمية يرتقي لمستوي المحنة والأزمة الماثلة في السودان، والتي لو تركت كذلك لامتد شرها إلى تلك الدول وغيرها.
إن حادثة شمال الوادي – كما عرفت هكذا – وهو تضليل إعلامي والصحيح حادثة جنوب الوادي، لأنها وقعت داخل عمق جنوب وادي النيل وليس شمال وادي النيل كما مارس الإعلامي تضليلا مقصودا للرأي العام في ذلك ! مثلت اختبارا حقيقيا للإرادة السياسية في البلدين، فمصر التي سمحت للطيران المصري العسكري بقذف وضرب مواطنيين مدنيين عزل معظمهم شباب، قذفت بهم تحديات الحياة القاسية للبحث عن مخرج آمن في مجاهل الصحراء داخل بلدهم حولهم الطيران إلى جثث متفحمة تنهشها الصراصير والغربان، مثل صدمة نفسية وتجاوزات أخلاقية تجاوزت إحترام مصر الشقيقة لسيادة السودان الشقيق المنكوب بالحرب، وهي تدري أن السودان مثقل بجراح معركة الكرامة في مواجهة المليشيا المتمردة المدعومة من دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية تتولي مصر أمانتها العامة ومقرها في قاهرة المعز بالله! وتعلم مصر، أن السودان في هذا الظرف الحالي يهتم بمعالجة التحرير الداخلي، ويحتاج لتعاون دول الجوار لحماية سيادته الإقليمية وأطرافه الدولية.
إن تكرار ضرب الطيران العسكري المصري في داخل السودان وقتل مئات الشباب يمثل جريمة كاملة الأركان والتوصيف في مواجهة مصر الشقيقة، ويمثل عجزا قد يكون مبررا للقيادة السياسية السودانية، لدواعي التحديات الداخلية، وقد عجزت القيادتان السياسية السودانية والمصرية معا حتى الآن في تمليك الرأي العام في جنوب الوداي وشماله معلومات حقيقية عن طبيعة هذا العدوان المفرط وبأخطر أنواع الأسلحة، التي لا تتفادي … طيران مباغت يضرب مدنيين شباب عزل لا حول لهم ولا قوة !! وتصمت دولتهم ويستمر الجاني في العدوان غير المبرر داخل الأراضي السودانية، مما يمثل بعدا غير أخلاقي للنظام المصري، وإعلاميين من هنا وهناك يرون، أن حماية طبيعة العلاقات بين البلدين أكبر من ضرب منجم ذهب وقتل وجرح مئات من الشباب السودانيين !!.
هناك رواية تتحدث عن تسلل مرتزقة ومجرمين غير سودانيين إلى العمق المصري، ولذلك تدخلت مصر بدافع حماية السيادة المصرية، وذلك من خلال نشرات وزعتها وزارة الداخلية المصرية، لكن السؤال هنا لماذا لا يتم هذا الأمر بالتشاور والتعاون من الحكومة السودانية، وتعميم هذه النشرة على البلدين؟ أليس هذا التصرف المصري من جهة واحدة يمثل انتهاكا لسيادة السودان داخل أرضه؟
الشقيقة مصر، التي لا تزال تكتفي في دعم معركة الكرامة والتحرير والسيادة الوطنية في السودان أمام مؤامرة دولية وإقليمية ضخمة، فقط بإقامة اجتماعات شكلية لدول الجوار، وإدانة لفظية لعدوان وجرائم المليشيا، ومؤتمرات دبلوماسية تندد بالعدوان على السودان دون فعل عسكري وأمني واقتصادي واضح رغم علمها التام بخطورة الوضع في السودان، ثم تفاجأنا مرتين بضربات عسكرية قاسية لشباب سودانيين مدنيين نازحين باحثين عن حياة أفضل في مجاهل الصحراء، تركوا خلفهم أمهات وأباء شيوخا أثقلت كاهلهم فاتورة الحرب والمؤامرة، وأطفال وأرامل وأخوة وأخيات باكيات دفق دموعهن الطيران المصري بقتل هؤلاء الشباب، الذين لم تقدم حتى الآن الحكومة السودان معلومات حقيقية لأهاليهم، الذين نصبوا سرادق العزاء في أماكن متفرقة من السودان!!.
إن مشهد الرأي العام في جنوب الوادي مرتبك وغاضب ومحتقن من مشهد الصمت وضعف الموقف الرسمي للسودان إزاء هذه الجريمة ضد حقوق الإنسان والمواطنين السودانيين المدنيين العزل، الذين دفعتهم المسغبة والفقر نحو المهالك في الصحراء !.



