فضاء الرأي

عثمان محمد القاسم يكتب… تحليل الانحراف في الإدارة الأمريكية وتداعياته على مستقبل الشرق الأوسط(السودان

تحليل الانحراف في الإدارة الأمريكية وتداعياته على مستقبل الشرق الأوسط(السودان)

بقلم /المستشار القانوني عثمان محمد عثمان القاسم

شهد السلوك الدولي للإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا يمكن وصفه بـ”الانحراف”. ويُقصد بذلك الخروج عن الأعراف والقواعد الأخلاقية والقانونية التي تحكم العلاقات الدولية الرشيدة، وهو أمر يمتد بجذوره في تاريخ طويل من السياسات التسلطية، وليس مجرد تصرفات ظرفية أو مؤقتة.

جذور الانحراف

لا تكمن دوافع هذا الانحراف في سياسات سياسية سطحية فحسب، بل في صراع اقتصادي رأسمالي عميق يسعى لتحقيق الهيمنة على الأسواق العالمية. ففي الوقت الذي يُعتبر فيه الاقتصاد العالمي اليوم ساحة لصراع قوى كبرى، يبدو أن هذا الانحراف لا يقتصر على الاستراتيجيات العسكرية والسياسية، بل يعكس تحولًا جوهريًا في أسس التفاعل بين الدول. وتدفع هذه الديناميكية العديد من التيارات داخل الإدارة الأمريكية نحو تبني سياسات لا تكترث بالقواعد التقليدية، بل تركز على تعزيز السيادة والهيمنة بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب المؤسسات الدستورية والقوانين الدولية.

مظاهر الانحراف في السياسة الأمريكية قد تتجلى هذه السياسات في عدة جوانب رئيسية أبرزها
1. الصراع على صنع القرار: حيث تزايدت الهجمات الإعلامية الموجهة لتشكيل الرأي العام الأمريكي، في محاولة لتحويل انتباهه بعيدًا عن القضايا الجوهرية إلى أخرى مصطنعة.
2. هيمنة قوى السوق: تقدم المصالح المالية والتجارية، سواء كانت لشركات صناعية أو مالية، على كل الالتزامات الدولية. مما يؤدي إلى فرض سياسات غير متوافقة مع القيم العالمية.
3. الصراع الطبقي الخفي: حيث تسعى قوى معينة في الداخل الأمريكي إلى تعزيز نفوذها، مما ينعكس على السياسة الخارجية ويؤثر على توجهاتها.
تنتج عن هذه التيارات سياسة خارجية تُدار وفقًا لمنطق المال والقوة، ما يؤدي إلى ممارسات غير سوية تنتهك القواعد الدولية وتستغل النفوذ الأمريكي لتحقيق مصالح ضيقة. ومن أبرز تلك الممارسات :
التجاوز على القواعد الدولية: مثل الاستهزاء بالمؤتمرات الدولية ذات الأهمية، مثل تلك المتعلقة بالبيئة، أو تقويض المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة.واخرها منظمة الصحة العالمية وسوف يكون غيرها كثر .
التدخل الإعلامي: التأثير في صناعة المحتوى الإعلامي على مستوى العالم بهدف تقويض سيادة الدول وفرض رؤى معينة.
الإجراءات الأحادية: اتخاذ قرارات منفردة، مثل محاكمة رئيس دولة (كما حدث مع فنزويلا) على أراضٍ أمريكية.
تأجيج الأزمات الدولية: خلق أزمات وذريعة للتدخل العسكري أو السياسي بهدف تأمين مصالح أمريكية.
التأثيرات على السودان والشرق الأوسط وقد حدث ((تشير العديد من التقارير والتحليلات إلى أن الإدارة الأمريكية (سواء السابقة أو الحالية) طبقت عقوبات على موظفي المحكمة (مثل المدعية العامة فاتو بنسودا في 2020) في محاولة واضحة لإعاقة تحقيقات محتملة في أفغانستان أو فلسطين، مما يُعتبر خروجًا على الدعم التقليدي للمؤسسات الدولية القضائية)) لا يقتصر تأثير هذا “الانحراف” على مناطق بعينها، بل يمتد إلى مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط والسودان. فعلى سبيل المثال:
التاثير على الأنظمة الدفاعية والأمن القومي : التأثير على القدرات العسكرية والعلاقات الدفاعية في المنطقة .
التأثير على الدعوات السياسية والتفاوضية: محاولة التلاعب بمواقف الدول في المفاوضات الكبرى.

الضغط عبر المساعدات والرقابة الدولية: استخدام المساعدات الفنية والرقابة الدولية كوسائل للضغط السياسي.

التجميد المالي: تجميد الصكوك والقرارات المالية عبر الخزانة الأمريكية، ما يؤثر سلبًا على اقتصادات الدول المستهدفة.

نماذج العقوبات: تهديد الدول بتطبيق نماذج مشابهة لتلك التي مورست ضد فنزويلا، مثل العزلة الدولية أو الاعتقال السياسي.

وقد امتد هذا التأثير ليشمل قضايا حساسة مثل سد النهضة والنزاعات الحدودية في المنطقة، مثل نزاع أبيي، حيث تتدخل الإدارة الأمريكية بشكل متكرر لتحقيق مصالحها.

الإطار القانوني للانحراف

إن هذا السلوك الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية يمثل خروجًا عن قواعد القانون الدولي والأطر الملزمة التي تحكم سلوك الدول. إذ يلزم القانون الدولي جميع الأطراف بالامتثال لهذه القواعد، ومن الضروري أن يتم اتخاذ إجراءات رادعة من قبل المجتمع الدولي لمواجهة هذا الانحراف. ويمكن أن يشمل ذلك اللجوء إلى ميثاق الأمم المتحدة أو آليات أخرى تضمن حماية سيادة الدول واستقلالها.

الخلاصة

يستدعي الواقع الدولي الراهن إعادة صياغة التعامل مع الإدارة الأمريكية وفقًا لطبيعة نهجها الجديد، الذي يسعى إلى إدارة نفوذها عبر تعديل الإيقاع العالمي واحتواء المخاطر بأقل تكلفة ممكنة. وفي ظل هذا التوجه، يتعين على الدول الكبرى والشعوب التأهب لمواجهة هذا الانحراف، وذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي وتفعيل القواعد القانونية التي تحمي حقوق السيادة واستقلالية الأمم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى