مع فنجان قهوة بقلم /دكتور ايمن هاشم …. نحن قوم النزوح… لا وطن يحتوينا ولا حقيبة تكفينا

مع فنجان قهوة بقلم /دكتور ايمن هاشم
نحن قوم النزوح… لا وطن يحتوينا ولا حقيبة تكفينا
بقلم /دكتور ايمن هاشم
نحن السودانيين…
شعبٌ تحوّل من أهل الدار إلى ضيوف عابرين في خريطة العالم. ما عاد فينا طفل يعرف كيف يبدو الاستقرار، ولا كبير يتذكّر آخر مرة نام فيها وهو مطمئن إنو ما في حقيبة حتتجهّز مع الفجر.كأنو ربنا كتب علينا نعيش في موسم هجرة دائم… من الوطن، إلى الوطن، ومن ثم بعيداً عن كل ما يشبه الوطن.
نولد في بلد،
نكبر في بلد،
نكتشف ذاتنا في بلد ثالث…
ونحلم بوطن لا يتغير خارطته على كيف السياسة أطفالنا يعرفون أسماء الدول أكثر من أسماء جيرانهم، وأمهاتهم يعبئن الحقائب أسرع مما يجهزن العصيدة. أما الآباء، فصاروا يملكون خبرة في المطارات وطرق التهريب أكثر من مكاتب العمل. كل مرة ننزح، نترك خلفنا جزءاً من أرواحنا، وكل مرة نصل، لا نستطيع أن نحمل سوى صور الجواز… وصورة في القلب للوطن القديم. والسوداني في المهجر؟ إنسان بوجه مبتسم… وبطاقة لاجئ مواطن في طابور الانتظار… وعدوّ في بعض العيون. يتكلم بلغة عربية فيها نكهة نوبية وفنجان قهوة،
ويُتّهم بأنه غريب في وطنٍ ليس له! يا جماعة… النزوح موجع.
مش بس لأنك تركت بيتك، لكن لأنك بتمشي تشوف نفسك في عيون الآخرين، وما بتلقى فيها إلا سؤال: “أنت منو؟ جاي من وين؟ ولشنو؟”وهويتنا؟
تفتتت ما بين معسكرات النازحين، وجدران الغربة، ومجالس الشفقة. أصبحنا نشبه كل شيء… ولا نشبه أنفسنا.
نتقن التأقلم أكثر من أي مهارة…
نضحك كثيراً لأن البكاء أصبح رفاهية. لكن في وسط دا كلّه،
لسّه فينا شيء ما بينكسر: العزّة السودانية الضحكة الساخره، الكلمة الطيّبة، والإيمان بأنو مافي حال بيستمر. في دول حسّستنا إننا عبء، ودول تاهت فينا، لكننا نحن من يعرف
أن السوداني ما بنكسر… بس بيعيد تشكيل نفسه من جديد.
وفي النهاية، نحن من جيل إذا سُئل عن عنوانه قال “أنا ساكن في حقيبتي، وراقد في قلب بلدي حتى لو البلد بقت ذكرى بتتنفس وجع، وتحلم رجوع.
فالسؤال الحقيقي ما إذا كان النزوح أخذ منا هويتنا،
السؤال: هل العالم أصلاً استحق يعرفنا؟



